«أنهى الرئيس البوليفي «موراليس» مع زملائه إضرابه عن الطعام الذي استمر لنحو أسبوع بعدما نجح في تحقيق هدفه من الإضراب، بعد ما استجابت اللجنة البرلمانية المعارضة في الكونغرس البوليفي للمطالبه بإعطاء حقوق انتخابية لمواطنيه من السكان الأصليين من الهنود الحمر لمنع تهميشهم».
وهو ما يعانونه من تهميش سياسي واقتصادي في الواقع بينما هم الغالبية الشعبية منذ قضاء المستوطن الأوروبي الأبيض على المواطن الهندي الأصلي الأحمر في القارة الأميركية بمذابح تاريخية شهيرة، عكستها الأفلام الهوليوودية على غير الحقيقة على أنها معارك بين الخير الأبيض والشر الأحمر، أو بين المتحضر الأوروبي والهمجي الأميركي!!
«وموراليس الرئيس» كان بيننا في الخليج العربي أوائل هذا الشهر في القمة العربية اللاتينية بالدوحة، معلناً تضامنه مع كل قضايا العرب، وهو الذي اتخذ مع الرئيس الفنزويلي «تشافيز» موقفاً تضامنياً مع الشعب العربي الفلسطيني المحاصر، لم تقدم عليه دولة عربية لها علاقات بإسرائيل سوى «موريتانيا الإسلامية»!، وذلك بطرد السفير الإسرائيلي من عاصمة بلاده احتجاجاً على العدوان الإجرامي الصهيوني الأخير على قطاع غزة!
إنه الزعيم الديمقراطي اليساري، والهندي الأحمر الذي ينتمي للشعب الأميركي الأصلي، جاء إلى الحكم من خارج السياق السياسي التقليدي بانتخاب ديمقراطي في أميركا الجنوبية مثلما جاء «باراك حسين أوباما» الإفريقي الأسمر بانتخاب ديمقراطي من خارج السياق السياسي التقليدي في أميركا الشمالية!
وموراليس هو رئيس إحدى ما كان يطلق عليها أميركياً «جمهوريات الموز»، أو الحديقة الخلفية لأميركا الشمالية قبل التحول اليساري الديمقراطي في أميركا الجنوبية، وهى التي انضمت إلى شقيقاتها اللاتينية كوبا وفنزويلا والإكوادور والبرازيل والأرجنتين والأورجواي والبارجواى وبيرو في اتحاد «ميركو سور» وفي رفض الهيمنة السياسية والسيطرة الاقتصادية الصهيو أميركية.
وفي هذا السياق العام الديمقراطي الوطني ولو بنهج يساري اشتراكي، يمكن أن نفهم قيام المعارضة في أي بلد ديمقراطي ينظم واجبات السلطة وحقوق القوى السياسية بالدعوة إلى الاعتصام أو بالإضراب طلباً لمطالب سياسية شعبية كسن قانون يؤكد الحقوق معين أو إلغاء قانون ما يناقض الواجبات، خصوصاً عندما تتجاوز السلطة وتخرج الحكومة عن حدود صلاحياتها التي فوضها الشعب في الانتخابات لاستخدامها لتحقيق مطالبه واحترام حقوقه وليس العكس، بما يحول السلطة إلى تسلط والحكم إلى تحكم!
وقد نتفهم تحت ظل القوانين المنظمة في بلد ديمقراطي بنهج رأسمالي قيام اعتصامات أو مظاهرات فئوية احتجاجاً أو رفعاً لمطالب اقتصادية أو اجتماعية مشروعة، أو حتى قيام أي فرد في المعارضة أو عدد من الناس غير السياسيين الذين يشعرون بالظلم إزاء إساءة استخدام السلطة على أي مستوى بإضراب عن الطعام إعلاناً أو احتجاجاً أو طلباً لرفع ما يعتبره ظلماً واقعاً عليه، إذا ما أعيته الوسائل القانونية الطبيعية عن رفع الظلم أو نيل الحق.
لكنها المرة الأولى التي تنقلب فيها الصورة السياسية إلى نهج غير مسبوق، فعندما نشهد عكس ما هو سائد في العالم الآن، بقيام رأس السلطة الرئاسية المنتخبة ديمقراطياً من غالبية شعبها في بلد ينتمي إلى العالم الثالث بتنظيم اعتصام أو بإضراب عن الطعام، في مواجهة «المعارضة البرلمانية» طلباً لمطالب رئاسية، تتعلق بحقوق الأغلبية الشعبية من المواطنين الأصليين المهمشين في قانون الانتخاب الجديد.. فهذا ما يدعونا إلى الدهشة ثم إلى القراءة!