استهلاك السلع والخدمات يجب أن يخضع لقيود وشروط الحلال والحرام. هكذا تقول تعاليم الإسلام، هنا يقع صدام أخلاقي بين الإسلام كنظام سلوكي والنظام الرأسمالي الغربي. وقس على ذلك التناقضات بين النظامين في مجالات متعددة.

لكن القليل جدا من المفكرين الغربيين يتناولون هذا التناقض الأساسي العميق. فالغالبية العظمى من المفكرين الغربيين يحصرون الأمر في المسألة الأمنية ـ كالإرهاب. لذا فإن من الغريب المثير أن يصدر كتاب للدفاع عن الإسلام ومبادئه عن مؤلف غربي. والأشد غرابة أن يكون هذا المؤلف في قيادات المهنة الأمنية.

عنوان الكتاب حديث الصدور هو «المقاومة.. جوهر الثورة الإسلامية».. والمؤلف هو أليستير كروك الذي تقاعد عن منصبه كمدير للاستخبارات الخارجية البريطانية.

منذ الفصل الأول يشرح كروك غرضه الرئيسي وهو أولا التعبير عن الإعجاب الذي أثاره في نفسه «الإسلام السياسي» وثانيا تصحيح الأفكار الانحرافية السائدة في الغرب عن الإسلام.

واستطرادا يقول إن الصعود الحضاري للغرب بدأ مرحلة انحدار بينما يعيش الإسلام الآن مرحلة إحياء وصعود. ومن هذا المنظور يعتبر كروك أن ما بين الإسلام والغرب هو صدام أساسي بين منظومتي قيم. ففي الغرب يجري تنظيم المجتمع على أساس التجاوب مع رغبات وملذات الفرد المادية دون وضع حواجز أخلاقية بينما يتعامل الإسلام مع الإنسان على اعتبار أنه شخص «متعدد الأبعاد».. بمعنى أنه يحمل عدة مسؤوليات في آن معا: فبالإضافة إلى المسؤولية نحو الذات هناك المسؤولية الخارجية نحو الأسرة.. وتتمدد هذه المسؤولية لتشمل المسؤولية نحو الوطن.. ونحو أمة المسلمين.. وكل ذلك في إطار المسؤولية العظمى تجاه الخالق.

الفكر الذي يقوم عليه النظام الرأسمالي الغربي، يقول كروك، هو نقيض ذلك تماما. ذلك أن أباطرة النظام الرأسمالي ـ الذي أطلق عليه «اقتصاد السوق الحر» للتمويه بعد أن تلطخ اسم «الرأسمالية» ـ يرون في القيم الدينية السامية عوائق على طريق توسيع الاستهلاك المطلق الذي يؤدي لتعظيم الربح على أساس مبدأ «الغاية تبرر الوسيلة».

فلو أتيح لنظام القيم الأخلاقية الدينية أن تسود في المجتمع لانهارت صناعات بأكملها كصناعة الجنس والدعارة والنظام المصرفي الرأسمالي الذي يقوم على الربا. لهذا ـ يقول كروك ـ يشن الغرب الرأسمالي حربا على الإسلام بأشكال متعددة: عسكرية واقتصادية وثقافية.

وبعد.. أليس من المثير حقا أن يأتي مثل هذا الطرح العميق من شخصية استخباراتية؟!

opinion@albayan.ae