ليس بخاف على احد في الشرق الأوسط السياسة التي دأبت الولايات المتحدة الاميركية على اتباعها في المنطقة للموازنة بين احتياجها للشريك الاقتصادي العربي وفي نفس الوقت التزامها بحماية اسرائيل مما اعطى انطباعا بأن تعزيز امن اسرائيل يأتي ضمن اهداف الولايات المتحدة في الضغط على الشريك العربي حتى لا يطالب بالتعامل معه معاملة الند للند في اطار شراكة متساوية.

ولأن هذه السياسة التي طال مداها لم تكن سياسة صحيحة أو عادلة، لذلك أدت في النهاية إلى فقدان مصداقية الولايات المتحدة بالمطلق فيما يتعلق بإدعائها الوساطة النزيهة في الصراع العربي ـ الاسرائيلي.

إدارة اوباما الحالية رفعت منذ البداية شعار التغيير لانها تريد أن تثبت انها غيرت مسار السياسة الخارجية الاميركية إلى ما فيه مصالح الاميركيين الفعلية. لكن فيما يتعلق بالشرق الاوسط فإن هذا الطموح من جانب الإدارة الاميركية يبدو بعيداً عن التطبيق حتى هذه اللحظة، رغم ترديد المبعوث الاميركي جورج ميتشل اكثر من مرة أن بلاده ملتزمة بالسلام في المنطقة على اساس حل الدولتين.

ذلك لأن الادارة السابقة كانت تردد نفس الالتزام دون أن تحقق على الارض ما يثبت للفلسطينيين والعرب انها صادقة في توجهاتها.

لكن ميتشل في زيارته هذه المرة اضاف اضافة مهمة وهي أن السلام الشامل والعادل مصلحة قومية اميركية، حسنا،العرب يؤمنون بذلك ويتفاعلون معه، لكن هل يقوم الاسرائيليون بما يتعين عليهم القيام به لإثبات هذه الفرضية؟ ذلك هو السؤال الذي يجب أن تواجهه واشنطن صراحة، فحكومة اسرائيل الجديدة لا تعترف بأي جهود اميركية سابقة للتسوية. ويصرح اعضاؤها بذلك بصراحة لا لبس فيها. ميتشل يقول: إننا نريد من مبادرة السلام العربية ان تكون جزءا من الجهود للوصول الى هذا الهدف. حسنا هل بمقدور ميتشل أن يلزم اسرائيل بهذه الرغبة الاميركية؟.

هناك مقاييس مهمة يمكن قياس درجة هذا الالتزام الاميركي الذي تحدث عنه ميتشل: مثلا يمكن لواشنطن الضغط لوقف الاستيطان وتهويد القدس ووقف العدوان الاسرائيلي المتكرر على الشعب الفلسطيني، حتى يقدم للشعب الفلسطيني ما يثبت عزم الجانب الاميركي على القيام بالتزاماته فعلا، وعلى واشنطن ان ترفض صراحة طروحات المتطرفين الجدد في الحكومة الاسرائيلية الذين يطالبون باعتراف الفلسطينيين بيهودية اسرائيل، وهذا الاعتراف يعني أن يسقط الشعب الفلسطيني حقه في عودة لاجئيه ووقف الاستيطان وحماية اراضيه التي ستقوم عليها الدولة الموعودة بل الأدهى ان مثل هذا الاعتراف يعني دعم جهود اسرائيل في التخلص من فلسطينيي 48.

ويجب أن يتذكر ميتشل ومن ورائه الإدارة الأميركية كلها أن صدى صوت بوش ورايس حول الالتزام بحل الدولتين ظل يتردد في المنطقة حتى رحيلهما دون اي مردود عملي لهذا الطبل الأجوف الذي توقف اخيرا.

ولأن السياسة العالمية لا تعرف الاعمال الخيرية، بل تؤثر فيها الضغوط وحسن الاداء التفاوضي وحسن التعامل بالأوراق الممكنة في الوقت المناسب لذلك على العرب أن يعرفوا أن الارتكان إلى كلام ميتشل او غيره لن يغير من الامر شيئا ما لم يتغير الموقف العربي (المنتظر) دائما للحل الاميركي وليتذكر القادة العرب جيدا انهم هددوا لسحب المبادرة العربية ما لم تعترف بها اسرائيل، فليتخذوا خطوة حاسمة إذن!.