جولة الرئيس اوباما الأوروبية هي جولة قمم بامتياز وهي جولة استكشافية لملفات دولية أساسية ولزعماء ذات ثقل دولي كبير في كافة هذه الملفات وهي أيضاً في شق منها جولة دبلوماسية عامة لتأكيد صورة القطيعة مع الرئيس الأميركي السابق: قطيعة في المفاهيم وفي المقاربات السياسية والدبلوماسية.
إذا كان لا بد من وصف لعقيدة أوباما في السياسة الخارجية، وهنالك تقليد أميركي راسخ حيث تنسب لكل رئيس عقيدة أو مبدأ في السياسة الخارجية منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، فان مبدأ أو عقيدة أوباما يمكن وصفها بعقيدة الانخراط مع الآخر سواء كان ذلك الآخر خصما أم عدوا أم منافسا شديدا في ملفات أساسية. أنها عملية التحول من عسكرة السياسة الخارجية التي كانت سمة أساسية عند الإدارة السابقة والعودة إلى إعطاء الثقل للعملية الدبلوماسية في السياسة الخارجية.
من القمة العالمية، قمة العشرين في لندن، التي يفترض أنها كرست وجود نظام متعدد الأقطاب وأنها جاءت بمثابة اعتراف بانتهاء الهيمنة السياسية والاقتصادية الأميركية على العالم أو اعتراف متأخر بواقع رفض الرئيس الأميركي السابق الاعتراف به لفترة طويلة فاحدث كثيرا من التوترات في العلاقات الأميركية الدولية والكثير من الفشل في مقاربة الإدارة الأحادية لمسائل دولية أساسية، إلى القمة الأطلسية التي شهدت عودة فرنسا إلى القيادة العسكرية المشتركة.
وأخذت طابعاً احتفالياً في الذكرى الستين لإنشاء الحلف الأطلسي وحذر فيها الرئيس الأميركي في رسالة واضحة المعالم والأهداف من إن خطر القاعدة يطال أوروبا أكثر مما يطال أميركا. وكان بذلك يهدف إلى تحميل أوروبا دورا اكبر ومشاركة أوسع في الملف الأفغاني الذي يبقى التحدي الأساسي للإدارة الأميركية الجديدة.
الملف الذي صار يسمى «الأفباك» للدلالة على تداخل الملف الأفغاني مع الملف الباكستاني، ثم القمة عبر الأطلسية أو القمة الأميركية الأوروبية التي هي تقليد قائم في العلاقات بين الطرفين التي عقدت في براغ والتي هيمن عليها خوف «الأوروبيين الجدد» من تلويح الرئيس الأميركي بعقد صفقة مع روسيا قوامها وقف بناء الدرع الصاروخية في شرق أوروبا مقابل وقف الدعم الروسي لإيران.
رغم إعادة تأكيده على التزام إدارته ببناء هذه الدرع. وقد اختار الرئيس الأميركي هذه القمة «الغربية» بامتياز لإطلاق دعوته لعقد قمة عالمية حول الأمن النووي بغية إقامة عالم خال من الأسلحة النووية، إلى القمة الثنائية الأميركية الروسية التي يمكن اختصارها بقمة بناء جسور الثقة بين الطرفين، إلى القمة مع تركيا، القمة ذات الأبعاد العربية والإسلامية التي عبر عنها في خطاب، عبر البوابة التركية.
وهذا مؤشر قوي على موقع تركيا المحوري في العلاقات الأميركية مع العالم الإسلامي، كان قد وعد به «المرشح» أوباما بشأن رؤيته للعلاقات مع العالم الإسلامي. خطاب يمكن اختصاره بأنه يمثل قطيعة مع منطق صدام الحضارات ويدعو إلى تبني منطق تحالف الحضارات، وتركيا إلى جانب اسبانيا هي صاحبة هذه الفكرة وحاملة لوائها.
جولة قمم استكشافية وإطلاق مسارات جديدة في مقاربة الولايات المتحدة للملفات الأساسية في العالم دفعت اليمين المتشدد في الولايات المتحدة إلى انتقاد الرئيس باعتباره «كارتر أخر» متهمة إياه انه مثل الرئيس الأسبق مثالي النزعة يعتقد انه يستطيع أن يغير الآخر عبر الحوار.
فيما رأى فيه البعض انه «نيكسون آخر» في السياسة الخارجية من خلال سياسة الانفتاح على الخصم واللجوء إلى مقاربة تقوم على الانخراط وليس على الصدام. أوباما قدم نفسه كرجل حوار «يبحث عن صنع تفاهمات وليس فرض شروط على الآخرين.
لكن ذلك كله يلقي الضوء على حجم التحديات أمام الإدارة الأميركية الجديدة وهي في أول الطريق. فقمة لندن أطلقت مسارا لاحتواء الأزمة العالمية الاقتصادية لكنها مازالت حاملة لأنصاف حلول كما يرى الكثيرون ومازال هناك خلاف بين رؤيتين حول الخروج من المأزق باختصار إحداها مالية تصحيحية والأخرى شمولية تدخلية لدور الدولة، والحلف الأطلسي رغم زيادة المشاركة الأوروبية في القوة غير القتالية في أفغانستان.
وهي مشاركة جديدة، لم تكن على مستوى طموحات الرئيس الأميركي بحاجة لصياغة عقيدة عسكرية استراتيجية جديدة بعد أن وسع مهامه الجغرافية والوظيفية وهذه العملية ليست بالسهلة نظرا لوجود رؤى مختلفة أن لم يكن متعارضة بين أطراف رئيسية في الحلف حول هذه العقيدة الجديدة، والعلاقات مع أوروبا مازالت تعتريها الكثير من المشاكل أولها خلافات أوروبية أساسية في قضايا دولية تزيد من تعقيدات التوصل إلى علاقات عبر أطلسية أكثر تناغما ثم موضوع انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي الذي تدعو إليه واشنطن بقوة ويعارضه الكثير من الأوروبيين بقوة أكثر.
إلى جانب إن هنالك لائحة من التحديات أمام صياغة علاقات أميركية روسية جديدة من أهمها قضية المكانة العائدة لموسكو وما ينتج عن ذلك من ادوار وحقوق في الجغرافيا السياسية الدولية وحاجة واشنطن إلى قبول هذا الأمر والتعامل مع موسكو كشريك في ملفات عديدة. قد يكون هنالك قبول بالشراكة لكن حجم الشراكة مازال موضع خلاف بين الطرفين.
يقول ديفيد اكسلرود المستشار الأساسي والخاص للرئيس إننا حاليا نزرع ثم نحرث حتى نحصد لاحقاً. هكذا يختصر المستشار عبر هذه الثلاثية دبلوماسية الرئيس الأميركي والتي مازالت في مرحلة الزرع حاليا. لكن السؤال الذي يبقى مطروحا يتعلق بقدرة الإدارة الجديدة على أن «تحرث» بقوة وعناية «أراض» مختلفة في وقت واحد لأنها تفرض ذاتها على هذه الإدارة وبالتالي القدرة على أن يأتي الحصاد جيداً.
وليس حصاداً مراً بسبب اضطرار الإدارة إلى الغرق في ملف على حساب ملف آخر أو عدم إعطاء الأهمية التي يستحقها الملف في السرعة المطلوبة، فعنصر الوقت جزء أساسي من نجاح أي سياسة. إنها البدايات الحاملة لنوايا ومقاربات طيبة وايجابية وواعدة، بقي أن نرى كيفية ترجمة هذه النوايا والمقاربات إلى سياسات عملية وفاعلة وناجحة.
