تطرح الآن، بشكل واسع النطاق، نداءات الاستغاثة من كل حدب وصوب لإنقاذ القدس العربية، وذلك في مواجهة حملة التهويد القائمة في الأرض المحتلة في ظل الهجمة الشرسة التي تتعرض لها هذه المدينة المقدسة ومحاولات التهويد، وتزييف التاريخ المستمرة منذ عام 1967، والتي يسعى الكيان الصهيوني حالياً إلى وضعها على لائحة التراث الثقافي العالمي، كمدينة يهودية، حتى يكتسب وضعاً ثقافياً دولياً عن طريق منظمة اليونسكو.

فالواضح إذن أن لا شيء حتى الآن يردع الاحتلال عن «التطهير العرقي» وعن اجتياحاته التدميرية والاستيطانية التهويدية على حد سواء، فلا الشريك الفلسطيني في المفاوضات قادر على تعطيل اجتياحات بلدوزر الاحتلال، ولا «خيار السلام» العربي و«النوايا العربية الطيبة» للتطبيع الشامل، ولا حتى الأمم المتحدة والشرعية الدولية تحظى بأي تأثير على دولة الاحتلال بهذا الصدد.

والملفت للانتباه في هذا السياق ذلك الهجوم الاستراتيجي التهويدي على المدينة المقدسة الرامي إلى اختطافها وإنهاء ملفها، كي لا يبقى للفلسطينيين والعرب أو العالم فرصة للمطالبة بالتفاوض عليها وكي لا يبقى بالأصل شيء. يتفاوض عليه. ولمواجهة المخاطر التي تلحق بمدينة القدس اليوم لا بد من وقفة جماعية وجهود مشتركة لحماية المدينة من الأخطار والمخططات التي تستهدفها.

وهناك حاجة وطنية ملحة لإعادة تفعيل المؤسسات الفلسطينية العاملة بالقدس وإعادة الحيوية لها وضخ دماء جديدة فيها، ولا يجوز أن تبقى المدينة على حالها، مغيبة عربياً وإسلامياً دون أن تتحمل الدول العربية والإسلامية المسؤولية تجاه ما تعانيه المدينة من مخاطر تستهدف الوجود الفلسطيني فيها، ودون أن تتحمل أي جهة المسؤوليات تجاه المدينة المقدسة التي تئن تحت سطوة الاحتلال وسياسته العنصرية. المسؤولية تقع على العرب والمسلمين جميعاً، فالقدس ليست للفلسطينيين بل للمسلمين جميعهم.

وهي أمانة في أعناقهم لا يجوز التفريط فيها، فمعركة القدس هي المعركة الكبرى، والقدس أكبر من الجميع، ولا يمكن لأحد أن يتجاهل المدينة المقدسة، ونحن بحاجة إلى حشد الجهود وتوحيد الطاقات لدعم الصمود الفلسطيني بالقدس والمحافظة على المقدسات الإسلامية والمسيحية، من أجل الحيلولة دون تسريب أية ممتلكات مقدسية لأيدي المحتلين، ومحاربة جدار الضم والفصل العنصري، الذي تقيمه إسرائيل في عمق الأراضي الفلسطينية، والعمل على السماح للمواطنين بالوصول إلى القدس.

والمطلوب الآن إعادة المكانة والاعتبار للقدس عبر تفعيل منظمة المؤتمر الإسلامي وتحمل مسؤوليتها اتجاه الأقصى والمدينة المقدسة وتوفير الدعم المادي والمعنوي وكل الوسائل التي تدعم وتقوي الصمود والبقاء للسكان المحليين المقدسيين وهذا أيضاً من واجب جامعة الدول العربية، وإيجاد استراتيجية عربية متكاملة في مواجهة التهويد الإسرائيلي.