في نهاية يناير الماضي, قام مبعوث السلام الأميركي جورج ميتشيل بأول جولة له في منطقة الشرق الأوسط. واستهدفت تلك الجولة, التي جاءت بعد نحو أسبوع على تولي إدارة الرئيس باراك أوباما مقاليد السلطة, الاستماع والتعرف على الأوضاع عن قرب.
الآن يقوم ميتشيل بجولته الثانية, وقد بدأها بالمغرب فالجزائر ثم تونس ليتوجه بعد ذلك إلى إسرائيل والأراضي الفلسطينية ومصر ثم دول الخليج.
وعلى الأرجح فإن تضمين دول المغرب العربي والخليج في هذه الجولة يعني أن الإدارة الأميركية ترغب في أن تشارك الدول العربية من المحيط للخليج في جهد تحقيق السلام بحيث لا يصبح مقصورا على الأطراف المباشرة المعنية.
ومن المفترض أيضا أن يكون المبعوث الأميركي قد استكمل إعداد رؤية بلاده لتحقيق السلام خاصة على المسار الفلسطيني ـ الإسرائيلي وأن يطرحها على مسئولي الدول التي تشملها جولته.
وإذا أعلن ميتشيل عن تلك الرؤية الجديدة أو طرح خطوطا عريضة لها, فإن ستكون هذه هي المرة الأولى التي تعلن فيها الإدارة الأميركية الجديدة عن استراتيجيتها للتعامل مع عملية السلام بالمنطقة.
صحيح أن ميتشيل وقبله وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون ومتحدثين أميركيين عديدين أكدوا مرارا أن حل النزاع ينبغي أن يكون مبنيا على أساس إقامة دولتين مستقلتين تتعايشان جنبا إلى جنب لكن يبقى معرفة كيف ستعمل واشنطن على تنفيذ تلك الرؤية على أرض الواقع والجداول الزمنية المتوقعة.
ويدرك ميتشيل ـ الدبلوماسي المخضرم ـ بالتأكيد أن الطريق ليس سهلا ـ خاصة مع رفض مسئولى الحكومة الإسرائيلية, وآخرهم وزير المواصلات إسرائيل كاتز( أمس) لحل الدولتين ـ فماذا سيفعل المبعوث الأميركي إزاء هذا الرفض الصريح؟ وكيف سينجح في اقناع القادة الإسرائيليين بأن الرؤية القائمة على حل الدولتين أصبحت بمثابة رؤية دولية وافقت عليها حكومة إسرائيل السابقة ولا يجوز التخلي عنها؟
ومن خلال تجربته الشهيرة في تحقيق السلام في إيرلندا الشمالية عام1998, يؤمن ميتشيل بأن من الأفضل عدم الضغط في البداية على طرف ما بل محاولة تقريب وجهات النظر بهدوء وروية فإنه من الضروري أيضا أن يعلم ميتشيل أن سياسة الحكومة الإسرائيلية قائمة على المماطلة والتسويف في الوقت الذي تواصل فيه تغيير الوقائع على الأرض من خلال الاستيطان في الضفة وهدم المنازل في القدس المحتلة.
ومن هنا, فإن التحرك السريع ضروري ومطالبة إسرائيل بالالتزام بتعهداتها السابقة خاصة بشأن الاستيطان أمر ملح بل شديد الإلحاح.
وبرغم أن مبعوث السلام الأميركي يؤكد أن تحقيق السلام في الشرق الأوسط أولوية مطلقة لإدارة أوباما, إلا أن هذه الأمنية لن يتحقق إلا بممارسة الولايات المتحدة دورها كراع أساسي لعملية السلام من خلال التقريب بين الأطراف والضغط عليها إذا تطلب الأمر ذلك ونعتقد أن هناك ضرورة الآن لإعادة الحكومة الإسرائيلية إلى الصواب وإلزامها بحل الدولتين وعدم السماح لها بالسير في طريق آخر لن يؤدي إلى شيء.
