تذكرت أغنية فيروز التي صدحت بها بعد نكسة العام 1967 والتي تقول «القدس لنا والبيت لنا» وأنا أتابع فعاليات «القدس عاصمة للثقافة العربية».
وحسناً فعل وزراء الثقافة العرب حينما اتخذوا قراراً في العاصمة العمانية مسقط في العام 2006 باختيار مدينة القدس لتكون عاصمة للثقافة العربية هذا العام، فقد أعاد هذا القرار الحكيم ثقافياً وسياسياً الأهمية والقيمة الرمزية التي تتحلى بها هذه المدينة عند الملايين من العرب والمسلمين.
هذه المدينة التي تتعرض لتهويد منظم منذ أن أكمل احتلالها الإسرائيليون في حرب العام 1967 والتي قررت حكومة غولدا مائير منذ العام 1973 بألا يتجاوز عدد سكانها العرب 22 بالمئة من مجموع السكان آنذاك.
كما تقول البي بي سي (21 /3) حيث تضيف أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة قد عمدت لسحب هويات العرب، واستقدمت عشرات الآلاف من المستوطنين، كما استولت على مئات الدونمات من الأراضي العربية وسعت إلى بناء مستوطنات يهودية صرفة كما في جبل أبوغنيم، أما آخر أعمالها فكان عزل مدينة القدس عن محيطها العربي الطبيعي ببناء جدار الفصل العنصري.
وكانت ومازالت قضية القدس من أعقد حلقات المفاوضات العربية الإسرائيلية على الحل، وكان الخلاف حولها أهم أسباب فشل مؤتمر كامب ديفيد الثاني الذي عقد في أواخر أيام حكم الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون في العام 2000 ومؤتمر طابا الذي عقد في السنة التي تلتها.
فالجانب العربي يصر على أن القدس الشرقية التي تحوي أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين لا بد أن تكون عاصمة للدولة الفلسطينية في الاتفاق النهائي لحل الدولتين المطروح كخيار لحل نهائي للصراع العربي الإسرائيلي الذي كان ضحيته وما زال الشعب الفلسطيني.
أما الإسرائيليون، المتدينون منهم والعلمانيون على حد سواء فإنهم يعتبرون القدس عاصمة إسرائيل الأبدية، لذلك عمدوا بعد احتلالها إلى نقل جميع الدوائر الحكومية إليها!! وبالطبع، ما يزيد من تصلب إسرائيل هو ضعف الموقف العربي بشكل عام وعدم شعورها بأن ضغطاً حقيقياً يمكن أن يقع عليها من العرب أو حتى من الولايات المتحدة الأميركية، التي يلعب «اللوبي الصهيوني» فيها دوراً مهماً في تخفيف الضغط على إسرائيل حتى لو فكرت أي إدارة أميركية بذلك!!
ولعل مركزية قضية القدس في الصراع العربي الإسرائيلي قد دفعت محبي السلام والساعين إلى تحقيقه على أرض الواقع لإعطائها الكثير من تفكيرهم وتصور حلول عملية وواقعية لها لعلها ترضي الطرفين وتضع حداً للعقبة التي تصطدم بها المفاوضات حينما تعقد بين الطرفين كل مرة. ومن أولئك الذين أعملوا فكرهم في هذا الموضوع سفيران سابقان أحدهما كندي والآخر أميركي وكلاهما أكاديميان حالياً ومثلا بلديهما كسفيرين في إسرائيل في السابق.
الأول هو الكندي بول مارتن الذي عمل سفيراً سابقاً في الأردن ومصر وإسرائيل، والآخر دانيال كيرتزر والذي شغل منصب سفير الولايات المتحدة الأميركية لدى كل من مصر وإسرائيل.
في مقالة مهمة نشراها سوية في المجلة المرموقة «فورين أفيرز» الأميركية عدد مارس/أبريل الجاري، يعتبر السفيران أن النزاع حول المدينة المقدسة التي لا تتعدى مساحتها الكيلو متر الواحد المربع ليس نزاعاً على الأرض بقدر ما هو نزاع على السيطرة على المقدسات، فالمدينة القديمة تحتوي أماكن مقدسة لأصحاب الديانات السماوية الثلاث وعلى رأسها المسجد الأقصى وحائط البراق.
وهذه الأماكن المقدسة متداخلة جغرافياً بحيث لا يمكن فصلها بحيث يمكن أن تكون ثمة جزء من المدينة يحتوي على المقدسات الإسلامية وبالتالي فيتبع السلطة الوطنية الفلسطينية وآخر يحتوي على المقدسات اليهودية بحيث يتبع الدولة العبرية. ويذهب السفيران الأكاديميان حالياً بأن حجج الطرفين في حقوقه على السيطرة على المدينة حجج متكافئة، وعليه فلا تصلح وسائل حل الخلاف التقليدية جدوى في حل هذه المعضلة من قبيل السيادة، فلا بد من تجاوز مسألة السيادة بحيث يدعى كل طرف أن عاصمته هي القدس مع إدخال طرف ثالث (دولي) يرتضيه الطرفان: الإسرائيلي والفلسطيني لتكون إدارة المدينة بيد تلك الأطراف الثلاثة مجتمعة.
وهذه الإدارة ستستمد شرعيتها من اتفاق السلام الإسرائيلي الفلسطيني وستكون لها هيئة يتم اختيار أعضائها من الجانبين، على أن يقوم الجانبان باختيار عدد محدود من الممثلين الدوليين ليكونوا طرفاً ثالثاً فيها. أما سكان القدس الفلسطينيون فسيتبعون سلطتهم الوطنية ويخضعون لقوانينها ولهم نفس حقوق مواطنيهم، والشيء ذاته ينطبق على الإسرائيليين.
وهذا الحل العملي بنظر الطرفين يعطي الطرفين الحق بأن يدعي كل طرف أن عاصمته هي القدس، دون أن يعني أنه يسيطر على المدينة بشكل منفرد. ويتنبأ السفيران الباحثان أن السلام سيكون خيراً عميماً على المدينة كما المنطقة، بالذات أنها ستكون محطة مهمة لجذب السائحين من مختلف بقاع العالم وعلى وجه الخصوص أولئك الذين ينتمون إلى الديانات السماوية الثلاث.
الأفكار السامية التي يطرحها محبو السلام كثيرة، لكنها تصطدم بالصلف الإسرائيلي الذي يتضح كل يوم ولعل آخر صفحة منه هو تسيد اليمين على مقاليد السلطة فيها.
كاتب كويتي