مفارقة أوروبية لا تخلو من طرافة واجهها الاتحاد الأوروبي أواخر الشهر الماضي عندما طارت رأس رئيسه في البرلمان التشيكي فأصبح بلا رئيس شرعي حتى الآن!
والحكاية بدأت عندما حل الدور لرئاسة الاتحاد الأوروبي على تشيكيا إحدى أصغر جمهوريات أوروبا الشرقية التي انفصلت عن تشيكوسلوفاكيا وانضمت مع نصفها الثاني سلوفاكيا إلى الاتحاد الأوروبي وحلف الأطلسي مؤخراً، وتولى بحكم نظام الاتحاد «رئيسها ميريك توبولنيك» المعروف بولائه لإسرائيل وعدائه لروسيا الرئاسة الأوروبية أوائل العام الحالي.
لكن المشكلة حدثت بعد أقل من ثلاثة شهور حينما سحب البرلمان التشيكي في 25 مارس الماضي الثقة من رئيس الحكومة الذي قدم استقالة حكومته إلى الرئيس التشيكي «فاكلاف كلاوس» فأصبح الاتحاد الأوروبي بلا رأس بتفويض شرعي من شعب دولته، ومع ذلك أبقى الاتحاد الأوروبي رئيس الحكومة التشيكية المقالة في رئاسة الاتحاد الأوروبي حتى يونيو القادم، وهى نهاية مدة الولاية النصف سنوية لبلاده للرئاسة طبقا لنظام الاتحاد الذي يلزم باستمرار مدة الرئيس، ولكن أليس محرجا للأوروبيين الديمقراطيين أن يتعاملوا مع العالم رسميا برئيس رفضه ممثلو شعبه في بلده وأقالوه رسميا من منصبه، وأليس مخجلا لرئيس فاقد للشرعية في بلده أن يترأس كل الرؤساء الأوروبيين المنتخبين؟!
رئيس الكتلة البرلمانية الأوروبية «جوزف دول» شبه هذا الوضع المحرج لتبولنيك وللاتحاد بـ «رأس تشيكية ساقطة على الجسد الأوروبي» قائلاً «إن أوروبا في أمس الحاجة الآن في زمن الأزمة لقيادة قوية لا لقيادة معزولة وساقطة في بلدها».
بقى أن نعرف أن سبب سحب ثقة الشعب التشيكي برئيس الحكومة «توبولنيك» جاء بعد أن سحب الشعب الأميركي الثقة من حزب رئيسه «بوش» بعد أن أفلس بلاده وأوقع الأوروبيين والعالم في أسوأ أزمة مالية بسبب إهدار أموال الشعب الأميركي على مغامراته العسكرية الفاشلة وعلى إنشاء القواعد العسكرية في العالم والدروع الصاروخية في أوروبا».
لكن المفارقة هي أن ما أسقط رئيس الاتحاد الأوروبي في البرلمان التشيكي لم يكن تداعيات الأزمة المالية بل رفض البرلمان لاتفاق الحكومة مع واشنطن على نشر الدرع الصاروخي الأميركي المضاد للصواريخ على أراضي تشيكيا، وهو الأمر الذي أظهرت استطلاعات الرأي أن غالبية الشعب التشيكي ترفضه، وذلك قبل سحبه قبل التصويت عليه في البرلمان، بعد أن شعرت الحكومة بخيبة الأمل لأن الرئيس أوباما أبدى عدم حماسه لمشروع سلفه بوش لنشر الدرع الصاروخي.
الأمر الذي دفع رئيس الحكومة التشيكية توبولنيك الموالي لإدارة بوش الراحلة إلى الهجوم بحدة على إدارة أوباما المقبلة في خطابه في الاتحاد الأوروبي متهماً إياها بالإخلال بتعهدات الدولة الأميركية وتفضيل مصالحها على مصالح حلفائها، وبل إن توبولنيك انتقد أوباما شخصيا بغيظ قائلاً «إن برامجه لحل الأزمة المالية وتداعياتها هي الطريق إلى الجحيم».
وبهذا فقد دفع المسكين ثمن تبعيته المطلقة لواشنطن مرتين، وذلك بعدما سقط من العباءة الأميركية التي تغيرت وتخلت عن تعهداتها له وتركته يسقط مرة ثانية على يد المعارضة البرلمانية التشيكية، وهو ما اعتادت عليه واشنطن مع حلفائها الصغار في أوروبا وفي غير أوروبا.
خصوصاً أن هؤلاء الحلفاء الصغار أصبحوا عبئا على الإدارة الأميركية الجديدة الأكثر اتزانا وتوازنا من الإدارة السابقة، ولذا لابد لهم من السقوط بعد أن يفقدوا توازنهم في ظل الرفض الشعب الأوروبي للتبعية الذي لا يقل أبدا عن الرفض الشعبي العربي!
كاتب مصري