ما حدث ويحدث في جورجيا ومولدافيا كان متوقعا وحتميا، وكان واضحا للجميع منذ البداية أن مسلسل الثورات الملونة الذي اندلعت في عدة جمهوريات سوفييتية سابقة بدعم علني وواضح من واشنطن، لم يكن ليستمر طويلا، وما تشهده جورجيا من اضطرابات وتظاهرات تطالب بعزل الرئيس ساكاشفيلي هو دليل واضح على أن خداع الشعوب واستغلال معاناتها لا يمكن أن يستمر طويلا، وأنه لابد وان يأتي اليوم الذي تنهض فيه الشعوب وتزيح عن كاهلها هذه الأنظمة المصطنعة والمعدة سلفا لتنفيذ أجندات ومهام خاصة تتعارض مع مصالح شعوبها وتضر بجيرانها.

ورغم وجود بعض قادة الثورة الوردية الجورجية من حلفاء ساكاشفيلي السابقين الذين انقلبوا ضده وسط المتظاهرين ضده الآن، أمثال رئيسة البرلمان السابقة نينا بورجاندزة، وممثل جورجيا السابق في الأمم المتحدة إيراكل ألانسيا، ورغم أنهما ما زالا يدينان بالولاء لواشنطن وينفذان توجيهاتها، إلا أنهما لن يستطيعا خداع الشعب الجورجي أكثر من ذلك.

خاصة وان شعارات الحرية والديمقراطية اللاميركية لم تعد تخدع ولا تجدي في ظل ظروف الأزمة المالية والاقتصادية الحالية التي تطحن الدول الفقيرة أمثال جورجيا ومولدافيا وأوكرانيا وغيرهم، والشعوب الآن لا تريد الحرية ولا الديمقراطية بل تريد الطعام والكساء والمال الذي يؤمن معيشتها، وهذه الأشياء لا تعطيها واشنطن للشعوب بل تعطيها فقط للأنظمة التي تنفذ أوامرها وتوجيهاتها.

لا شك أن الحلقة القادمة في مسلسل الهبوط والانهيار والمظاهرات والاضطرابات ستكون في أوكرانيا ضد زعيم الثورة البرتقالية الرئيس فيكتور يوشينكو، ولا شك أن يوشينكو يجلس الآن في حالة من القلق الشديد يراقب صديقه وزميله في الولاء لواشنطن الرئيس الجورجي ساكاشفيلي وهو يلقى مصيره المحتوم، وليس الآن لدى الرئيس يوشينكو في أوكرانيا أي شيء يتقرب به إلى الشعب، فقد ذهب في ضرب مصالح شعبه إلى أبعد مدى.

لدرجة أنه كان على استعداد تام لأن يغرق الشعب الأوكراني في برد وصقيع الشتاء ويتركه يموت من البرد بسبب أزمة الغاز التي افتعلها مع روسيا في نهاية العام الماضي، والآن يوشينكو لا يفيده التراجع عن الطريق الذي يسير فيه، ولا يفيده العودة للتودد والتقارب والتفاهم مع روسيا.

فقد سبقته حليفته السابقة البرتقالية رئيسة الوزراء يوليا تيموشينكا إلى هناك بذكائها وخبرتها التي تفوق خبرة الرئيس يوشينكو بكثير، وحجزت تيموشينكا مكانها لدى موسكو، وأصبح على يوشينكو أن يواجه الخيار الوحيد الذي يواجهه صديقه ساكاشفيلي الآن، وهو ترك الحكم والرئاسة والانزواء في الظل حتى لا يثور عليه الشعب ثورة حمراء.

هذه الأنظمة التي صنعتها أميركا في ظل ظروف معينة ولخدمة أهداف محددة لم تستوعب دروس التاريخ والجغرافيا، ولم تفهم جيدا سياسة التحالف مع واشنطن، ولم تعي أن شعوبها التي تحيط بها هي الأولى بالولاء لها ولمصالحها من مصالح واشنطن الواقعة خارج حدودها.

لقد دفعت واشنطن مئات الملايين من الدولارات لهذه الأنظمة الملونة، ولم يصل للشعوب من هذه الملايين ولا سنتا واحدا، وفي الواقع أن واشنطن كانت تعلم جيدا أن هذه الأموال والمساعدات لن يصل منها شيء للشعوب.

ولم تكن واشنطن غاضبة من هذا لأمر فهي أيضا لا تهمها الشعوب ولا تؤمن بدورها، لقد كانت تريد أن تشتري هذه الأنظمة لتستطيع بها تنفيذ مخططاتها الإستراتيجية في المنطقة، هذه المخططات التي لا يمكن أن تقبل بها الشعوب.

فلا يوجد شعب يرضى بالعداء مع جيرانه الذين تربطهم بهم علاقات تاريخية وثيقة من أجل خدمة أهداف دولة بعيدة مثل أميركا لا يهمها سوى مصالحها الخاصة فقط.

لم يستطع ساكاشفيلي في جورجيا أن يقنع شعبه بمبررات الحرب مع روسيا ولا بالعداء لها، فهل يستطيع يوشينكو في أوكرانيا أن يقنع الشعب الأوكراني الذي تربطه بروسيا وشعبها علاقات أقوى من الشعب الجورجي، بالقطع لم ولن يستطيع يوشينكو ذلك.

ويكفي أنه فشل حتى في تنفيذ الوعود التي وعدته بها واشنطن وأكدت له أنها ستحققها له، مثل ضم أوكرانيا لعضوية حلف شمال الأطلسي، والآن ومع المعاناة الشديدة التي يعاني فيها الشعب الأوكراني من الأزمة الاقتصادية بينما الجارة الكبيرة روسيا تساعد الدول الأخرى في الأزمة، فهل يطيع الشعب الأوكراني يوشينكو ويصبر عليه أكثر من ذلك، لا أعتقد، ونتائج الاضطرابات والتظاهرات في جورجيا ستعجل حتما بتحديد مصير الرئيس الأوكراني يوشينكو في أقرب وقت ممكن.

كاتب ومحلل سياسي أوكراني

vladi1949@mail