نسمع كلّنا بمقولة «الكأس الملآن حتى منتصفه». البعض يرون نصفه الملآن بينما يرى آخرون النصف الفارغ. المشكلة الكبرى هي عندما لا يكون الخيار بين النصف الملآن والنصف الفارغ ولكن بينه وبين الكارثة. ولعلّ ذلك كان الخيار الذي واجهه المشاركون في قمة العشرين بلندن في الأول من شهر أبريل الجاري للبحث في سبل معالجة الأزمة المالية العالمية الراهنة.
كان عليهم أن ينجحوا في فتح أفق، ممر، طاقة صغيرة، للخروج من هذه الأزمة التي تضرب جذورها أعمق والمهددة أكثر بكثير مما يقال. كان عليهم على الأقل أن «لا يفشلوا».
. ولا يمكن الظن أنه غاب عن أذهانهم، وهم أصحاب القرار في توجيه دفّة سفينة العالم اليوم، سابقة خطيرة تمثّلت في فشل «نظرائهم» الذين كانوا قد اجتمعوا في لندن نفسها وفي ظروف مشابهة عام 1933 من أجل مواجهة آثار الأزمة المالية الكبرى التي نشبت عام 1929 وما ترتب عليها من كساد اقتصادي تذكّره كثيرون عند نشوب الأزمة الحالية.
كان ذلك الفشل في التصدّي لآثار الأزمة هو الحدث ـ المنعطف الذي خلق المناخ لصعود أنظمة مثل النازية ووصول هتلر في نفس السنة، 1933، إلى السلطة وبالتالي قاد إلى الحرب العالمية الثانية، وملايين الضحايا.
للتذكير كانت أزمة 1929 أقل خطورة من الأزمة الحالية. وذلك لسببين رئيسيين يحددهما «الفاهمون» من خبراء الاقتصاد بواقع أن وزن المال في الاقتصاد اليوم هو أكبر بكثير مما كان وزنه في سنوات الثلاثينات من القرن الماضي. والأمر نفسه بالنسبة لمستوى الديون أيضاً.
ويلاحظ الخبراء أيضاً «التطوّر»، وبالأحرى «التدهور»، السريع الذي عرفته الأزمة المالية العالمية الراهنة. ففي البداية، أي مع انطلاق الأزمة في خريف عام 2007، قالت التقديرات «المتفائلة عموماً» ان خسارة البنوك العالمية ستصل إلى بضعة عشرات مليارات الدولارات. ثمّ جرى «تصويب» التوقعات في شهر مارس من عام 2008 بالقول ان الخسائر ستبلغ ما بين 400 إلى 500 مليار دولار. أمّا اليوم فيتم الحديث عن 2000 مليار دولار. يمكن الذهاب بعيداً في ذكر الأرقام «المثيرة للرعب».
ضمن مثل هذا السياق يمكن القول ان قمة العشرين في لندن قد حققت «نجاحاً كبيراً»، ليس فيما توصّل إليه المشاركون من إجراءات لمواجهة الأزمة ففعاليتها سيحكم عليها الزمن والأمور هنا تقاس بنتائجها، ولكن نجحوا بالدرجة الأولى في «تجنّب الفشل »، وما قد يعني تجنّب الكارثة. وبكل الحالات إذا لم يتأكد بعد إنقاذ العالم، فلا شكّ أنه قد أصبح أكثر وضوحاً.
ولا ينبغي التقليل مما تمّ التوصل إليه في لندن بالقياس إلى الماضي القريب، وبالتحديد إلى عهد إدارة جورج دبليو بوش ورؤيتها الأحادية للعالم عندما اعتبرت أنها «مركزه» بينما يدور الآخرون، كل الآخرين، في فلكه.
قد لا يكون ما نشهده هو نظام عالمي جديد. لكن هناك الكثير من الدلالات على أن حقبة جديدة على خلفية فهم أنه لا بدّ من «التغيير» من أجل الاستمرار، وليس حباً بالتغيير. إن «الأنا» الأميركية «البوشية» المتضخّمة أخلت المكان إلى ال«نحن» في الخطاب الأميركي الجديد نفسه. هذا ما ردده أوباما وأكّدته وزيرة خارجيته كلينتون حيثما حلّت منذ ترؤسها للدبلوماسية الأميركية. وما عبّرت عنه جمل متفرّقة من نوع «كلّنا آذان صاغية لكم» و«أتينا كي نستمع».
إنها نهاية قرن من «السلام الأميركي» ومن الاستئثار الغربي عامة بالهيمنة على العالم. لقد ولّى الزمن الذي كنا نرى فيه بلداناً مثل كندا وإيطاليا، على سبيل المثال، في صدارة «أقوياء العالم» بينما الصين أو الهند أو البرازيل هي في الصفوف الخلفية.
وباختصار لم يعد منطق المواجهات والتهديدات بالحروب هو السائد. مع ذلك لا ينبغي التسرّع في إطلاق الأحكام حول الانحطاط المحتوم لأميركا، فهذه ستبقى قوّة عالمية أولى في الأفق المنظور. لكن منطقة الشرق الأوسط، منطقتنا، وامتداداتها في باكستان وأفغانستان، لا تزال هي الاستثناء المقلق من أفق السلام القريب الموعود.
لا شك أن الحقبة الجديدة لا تزال غائمة المعالم. ولا شك أن مهمّة التصدّي للأزمة المالية التي تعصف بالعالم اليوم لن تكون سهلة، ولا أحد يستطيع أن يجزم بما ستؤول إليه الأمور ومتى سوف تنتهي الأزمة. ما يقوله الواقع اليوم هو أن الاقتصاد العالمي يتراجع ويجرّ معه التجارة الدولية نحو الانحدار بينما يتعاظم عدد الذين يفقدون أعمالهم ومصادر عيشهم اقتراباً من 60 مليون شخص، كما تشير بعض الإحصائيات. باختصار الاقتصاد العالمي يتهالك، والسؤال الذي يطرحه الجميع هو: متى سوف ينطلق من جديد؟ ولعلّ السؤال الأكثر حكمة هو: هل سينطلق من جديد أم قد «ينخّ» وينهار؟. وعندها ستنقضّ عليه الطيور الجارحة.
أمام مثل هذه التحديات والمتغيرات يمكن لقمة العشرين في لندن أن تكون المحطة التي يتهيأ الجميع، أو تقريباً الجميع، لتحديد بوصلة اتجاههم المستقبلي انطلاقاً منها. الكل، وعلى رأسهم أميركا وأوروبا والصين والهند وروسيا والبرازيل، بل وإفريقيا وغيرها، يريدون أن تكون لهم كلمتهم في مستقبل العالم. فهل لنا نحن كلمة نقولها؟!
كاتب سوري ـ باريس
