الوصول إلى رؤية عربية مشتركة حول «الأمن القومي العربي» كما عبر القادة في قممهم أكثر من مرة، «يجب أن يظل شاغلنا الشاغل، وهو لا يمكن تجزئته لأنه كل متكامل لا يتجزأ، تترابط أبعاده، وتتكامل أسلحته السياسية والاقتصادية والدفاعية والإعلامية وتتكامل أدواره ومسؤولياته بين حكوماته وشعوبه ومقاومته وتتصل دوائره من مشرق العالم العربي إلى مغربه».
وفى الواقع لا ضمان لأمن وطني حقيقي لأية دولة عربية في غياب تصور إستراتيجي لأمن قومي عربي شامل يقوم على الأمن المتبادل بين الدول العربية والدفاع العربي المشترك ضد العدو المشترك، ولا ضمان لأمن قومي عربي حقيقي طالما تعرض الأمن الوطني في جزء من الوطن العربي للاحتلال العسكري الأجنبي أو للتهديد الخارجي بالعدوان أو الداخلي بالانقسام أو الاقتتال.
وأمام التحديات المصيرية الجديدة المطروحة عليه، والتطورات الخطيرة العسكرية والسياسية الصهيونية المحيطة به وتشابكات ذلك على المستويين الإقليمي والدولي، يجد العالم العربي نفسه الآن في مفترق طرق وبين خيارين اثنين، إما أن يتجاوز خلافاته، ويتعالى على انفعالاته، ويكبر على صغائره ليوحد قواه في مواجهة الخطر بحائط صد قادر على حماية أمنه ومصالحه.
أو أن تستغرقه الانقسامات الكبيرة بين نظام ونظام، وتستنزفه المنازعات الحزبية الصغيرة داخل الأوطان، فيتشقق جدار الحماية الوطني وتتآكل مناعة الجسد العربي فيكون قابلا للاستباحة والغزو من الخارج، وذلك بطبيعة الحال يمثل تلاعبا غير مسؤول يضع الأمن الوطني والأمن العربي في مهب الريح مالا يترك للعرب خيارا عاقلا وحكيما إلا الخيار الأول.
وعندما يكون المطلوب أن يتحرك العالم العربي بنظمه وشعوبه ومقاومته ليوحد رؤاه وقواه، وإمكانياته وآلياته لمواجهة مصدر الخطر والتهديد الصهيوني الرئيسي، فلا يمكن تصور أن تتشتت الجهود وتتبدد الرؤى في معارك أو اشتباكات سياسية أو إعلامية بين نظام ونظام، أو بين نظام وشعب، لن يستفيد منها سوى العدو المشترك ليستقوي بها على كل نظام وكل شعب، لا يفرق بطبيعته العدوانية بين طرف منهم.
وكلما اقترب العرب من حل خلافاتهم السياسية بالحوار أو بالمصالحة، وكلما اقتربت رؤاهم من ضرورة حشد قواهم لاستعادة تضامنهم وحقوقهم، حدث ما هو واقعي ومبرر أو ما هو مفتعل مقرر لشغلهم بأنفسهم عن عدوهم في معارك جانبية، تتطاير فيها الاتهامات المتبادلة، لتتلبد الأجواء العربية بالغيوم، ويتصاعد فيها الغضب فتضيع الحكمة ويطيش الصواب، فينقلب الشقيق عدوا، والعدو صديقا!
وفي ظل غياب إرادة حقيقة لتجاوز التباينات السياسية والتناقضات الثانوية إلى رؤية عربية موحدة تتمسك بالثوابت وتتعامل مع المتغيرات، وتشتغل بمواجهة العدو الرئيسي، ولا تنشغل بالخلاف الفرعي، تغيب الرؤية الإستراتيجية الموحدة للأمن القومي العربي بترابطه العضوي بالأمن الوطني لكل دولة عربية، سواء ما يتصل منها بقضايا مزمنة لا تزال بغير حل كقضية فلسطين، أومن قضايا مستحدثة تتطلب الحل كقضية العراق، أو ما يتصل منها بالتشابكات المشتعلة بين ما هو إقليمي وما هو دولي كقضايا الصومال ولبنان والسودان، أو بفعل الاشتباكات المفتعلة بين ما هو وطني وما هو قومي في بعض الأجزاء.
وفى الواقع ليس هناك أي تناقض ولا يجب أن يكون هناك تناقض بين واجبات الأمن الوطني وضرورات الأمن العربي، ولا بين حماية الأمن العربي وحماية الأمن الوطني في أجزاء الوطن العربي الذي لا خيار لأي جزء فيه بين الواجبات والضرورات.. التي يمكن في بعض الحالات أن تبيح المحظورات!