تنطوي الإنترنت على مفارقة هامة تتمثل في أنها رغم حيز الحرية الضخم الذي تتيحه لمستخدميها تعتمد في الأساس على الاتصال غير المباشر بين المستخدمين.

فلا مجال هنا للاتصال وجهاً لوجه. وإذا كان الصوت والصورة يمثلان أداتين رئيستين من أدوات الاتصال، فإن الكلمة المكتوبة مازالت تمثل واحدة من أهم أدوات التواصل عبر الإنترنت.

إن غياب الوجود المادي المتعين للمستخدمين، والاهتمام بالكلمة المكتوبة بديلاً عن ذلك، قد جعل مستخدمي الإنترنت ينفتحون على بعضهم البعض في كل مكان في العالم، بحيث أصبحت الكلمة هي معيار الاتصال وآليته الأساسية في آن.

وفي هذا الإطار تُعتبر حجرات الدردشة هي النموذج الأكثر استخداما عبر الإنترنت حيث تتيح لمستخدميها مستوى تواصل لم تشهده البشرية من قبل بمثل هذه السهولة واليسر. ويتسم التواصل عبر حجرات الدردشة بمجموعة من السمات الخاصة به ساعدت على شيوعه وانتشاره عبر كافة أرجاء العالم ولكافة المستخدمين بغض النظر عن أعمارهم وجنسهم وانتماءاتهم الجغرافية والسياسية والدينية.

أولى هذه السمات التي يتسم بها التواصل عبر حجرات الدردشة تتمثل في المجهولية. فعلى العكس من الاتصال وجها لوجه يتم تحديد هويات الأطراف المشاركة في حجرات الدردشة ليس من خلال مكانة الفرد ووضعه الاجتماعي، لكن من خلال جدارته في التعبير عن نفسه، وقدرته على الاستمرار في النقاش والتعبير عن ذاته وعن أفكاره.

أي أن الهوية يتم تحديدها وتشكيل عناصرها من خلال اللغة. إن صفة المجهولية هذه لا تعنى أن أطراف العملية الاتصالية المشاركين في حجرات الدردشة يجهل بعضهم البعض كليةً، لكن الأمر يعنى أنهم لا يتوفرون على ذلك القدر من المعرفة الذي توفره أشكال الاتصال الأخرى، وبشكل خاص الاتصال وجهاً لوجه.

ويتمثل ثاني هذه السمات في حرية التعبير وعدم التقيد بالسياقات المكانية. لعل ما يمنح الإنترنت بشكل عام، وحجرات الدردشة بشكل خاص، مثل هذا الحيز الضخم من الحرية، وعدم الخضوع للمعايير والقوانين المنظمة والمقيدة لأشكال الاتصال الأخرى، هو عامل المجهولية الذي يتمتع به الأفراد إبان نقاشاتهم وأنشطتهم الاتصالية. فكونهم مجهولين يمنحهم حيزاً كبيراً من الحرية التي تمكنهم من قول ما يريدون بدون خوف أو وجل

. فالإنترنت تسمح لمستخدميها أن يتجاوزوا قيود الحياة اليومية المفروضة عليهم مثل قيود الملبس والمكان واللغة ومحدداتها والأطر الاجتماعية للكياسة والذوق والأدب.

كما أنها تسمح للفرد أن يكون ما يريده وما يحبه. كل المطلوب منه أن يختار الاسم المستعار الذي يريد أن يلج حجرات الدردشة به من جانب، ويريد للآخرين أن يعرفوه ويتواصلوا معه من خلاله من جانب آخر.

ولكل فرد مطلق الحرية في أن يختار اللقب الذي يريده، فقد يختار الذكر اسماً أنثوياً، وقد تختار الأنثى اسماً ذكوريا، وقد يختار أي منهما اسم نبات أو حيوان أو اسم زعيم سياسي أو ممثل أو ممثلة أو اسم رياضي مشهور. إضافة إلى ذلك، توفر حجرات الدردشة حيزاً ضخماً من الاختيارات والاهتمامات.

فالفرد يمكنه أن يحدد نوعية الحجرات التي يود الدخول إليها، ونوعية النقاشات والاهتمامات التي يريد الإسهام فيها، كما أنه يتمتع بحرية الكتابة إلى أشخاص معينين دون غيرهم. فضلاً عن ذلك، فإن مستخدمي حجرات الدردشة لديهم حرية الاختيار في ألا يشتركوا أصلاً في النقاشات الجارية في هذه الحجرات.

إن ثنائية السلطة/الجمهور التي تتسم بها وسائل الاتصال التقليدية، مثل العلاقة بين التلفاز والجمهور تفقد، بشكل كبير، وجودها وتأثيرها في نمط الاتصال الذي يتم عبر حجرات الدردشة.

فالعلاقة بشكل عام لا تتسم بالخطية التي تتسم بها علاقات السلطة/الجمهور في نمط الاتصال التقليدي، بل هي علاقة جدلية يحكمها في النهاية استخدامات اللغة والتفاوت بين الأفراد بالنظر إلى هذه الإمكانية.

وأخيرا تتسم حجرات الدردشة بتحقيق قدر كبير من المساواة بين أطراف النقاش لا يتحقق في أنماط الاتصال التقليدية، فالمساواة بين أطراف هذا النوع من الاتصال ترتبط بالمجهولية والحرية التي يتمتع بها أطراف النقاش.

فطالما أن كل فرد غير معروف للآخرين، وهو حر في أن يقول ما يشاء، ويفعل ما يشاء، فإن أطراف هذه العلاقة يتمتعون بقدر كبير من المساواة غير المتوفرة في أشكال الاتصال الأخرى. ويظهر هذا القدر من الحرية من خلال الإمكانات الواقعية التي يتمتع بها الأفراد في المشاركة في الحوار والنقاش والجدل، بحيث يمكننا القول بأنه ليس بإمكان فرد معين أن ينفرد بالنقاش، أو يوجهه الوجهة التي تروق له، فكل الأفراد سواء حتى وإن بدت أفكارهم سطحية بالقياس إلى أفكار الآخرين.

كاتب مصري

salehabdelazim@hotmail.com