على الرغم من أن أوباما وجه من تركيا رسالة للعالم الإسلامي إلا أن إلا زيارته لها - كما أعلن صراحة - ليست هي الزيارة التي قالت إدارته أنه ينوى القيام بها لدولة مسلمة لتكون بداية لصفحة جديدة للعلاقات مع العالم الإسلامي.
فأوباما زار تركيا في إطار جولته الأوروبية لا باعتبارها دولة مسلمة وانما باعتبارها «الحليفة» لأميركا وعضو حلف الأطلنطي،. وبدأ أوباما فعلا خطابه بوصف تركيا بأنها «حليف» الولايات المتحدة «وجزء مهم من أوروبا»، وخصص أكثر من ثلثي الخطاب للحديث عن أهمية العلاقات الثنائية وضرورة تعزيزها والمصالح الحيوية الأميركية التي تملك تركيا مساعدة أميركا لتحقيقها، من العراق وأفغانستان لسوريا وإيران ومن قضية الطاقة لملفات آسيا الوسطى وبحر قزوين.
لكن أيا من ذلك لم يكن ممكنا لولا الإنجاز التركي. فخلال العقد الأخير قامت تركيا بمراجعة شاملة لسياستها الخارجية وحققت إنجازا معتبرا. فمن دولة تشيح بوجهها بعيداً عن الشرق الأوسط في التسعينات، مفضلة عدم التورط في مشكلاته ومنخرطة في تفاعلاته انخراطاً ذا طابع أمنى وعسكري بالدرجة الأولى بما ساعد على توتر علاقاتها بأغلب جيرانها، تحولت تركيا إلى فاعل إقليمي ذي علاقات إيجابية متعددة الجوانب بأغلب دول المنطقة وقد نبع ذلك التغير من رؤية واضحة أدركت أن تفاعلات المنطقة قد صارت من التعقيد بما يؤثر بشكل مباشر على المصلحة القومية التركية.
ومن ثم، فإنه لا يمكن حماية تلك المصلحة إلا عبر لعب دور فاعل يسمح لتركيا بالاشتراك في تشكيل تلك التفاعلات. وبعد أن اختارت تركيا أن تلعب دور الوسيط، صارت الخطوة الأولى نحو تحقيق ذلك هي إعادة تشكيل علاقاتها مع محيطها الإقليمي على نحو أكثر إيجابية. فلا يمكن القيام بدور الوسيط بين أطراف لتركيا علاقات متوترة مع أغلبها.
ومن الجدير بالملاحظة أن تركيا نجحت في أجواء دولية بالغة الصعوبة خصوصا بعد 11 سبتمبر في أن تحدث توازنا بين علاقتها بأميركا وإسرائيل من ناحية وبين فتح علاقات تعاون قوية مع كل من سوريا وإيران بل وحماس وحزب الله.
وقد استطاعت تركيا بذكاء أن تستغل الفجوة في المواقف بين أوروبا من ناحية وأميركا وإسرائيل من ناحية أخرى بشأن العراق وفلسطين ولبنان على نحو يعطيها الغطاء السياسي اللازم لاتخاذ مواقف مستقلة تساعدها من ناحية على تقوية علاقاتها مع أوروبا، بينما تستخدم من ناحية أخرى سعيها لعضوية الاتحاد الأوروبي كذريعة لتلك الاستقلالية في مخاطبة الطرف الأميركي.
ولا يخفى أن هذا الدور الجديد لتركيا لم يكن يلقى أي ترحيب من جانب إدارة بوش وأنصار إسرائيل. وبالفعل كانت هناك محاولات عدة للضغط على تركيا وابتزازها بالذات عبر استغلال ما حدث مع الأرمن في بداية القرن العشرين.
لكن فشل تلك المحاولات كان نابعا من أن من استخدموها لم يدركوا أن وقت ابتزاز تركيا قد ولى لأن الأخيرة صارت تمتلك من الأوراق ما بات يمكنها فعلا من أن تقض مضاجع صناع القرار الأميركيين إذا أرادت. هذا فضلا عن أن تركيا كانت قد بدأت فعلا في تطبيع علاقاتها مع أرمينيا.
ومن هنا تنبع أهمية زيارة أوباما التي كانت بمثابة إقرار أميركي بدور تركيا في المنطقة بل وتشجيعه والسعي للاستفادة منه. وقد فعل أوباما ذلك رغم مطالب أنصار إسرائيل بعدم فعل أي ما من شأنه دعم علاقة تركيا بالشرق الأوسط. لكن أوباما هو الآخر غلب مصالح بلاده. فقد ثبت أنه لا يمكن ابتزاز تركيا والأفضل العمل معها.
أما الثلث الأخير من خطاب أوباما فقد خصصه لتوجيه رسالة من على أرض تركيا المسلمة إلى العالم الإسلامي. ولم يكن أهم ما قاله هو العبارة التي ركز عليها الإعلام من أن «أميركا ليست في حرب مع الإسلام».
فهي عبارة ليست جديدة في خطاب أوباما ثم أنها عبارة كان قد قالها بوش بالمناسبة مرات وليس مرة واحدة دون أن تعني شيئا في الواقع، هذا فضلا عن أنها عبارة تتسم بالسذاجة المفرطة فهي دون قصد تكرس نفس الثنائيات البغيضة من نوع أميركا والإسلام بل وكأن العالم الإسلامي كله شيء واحد وأميركا لا يوجد بها مسلمون.
لكن أوباما جاء في ذلك الجزء من خطابه بأمرين أكثر أهمية بكثير من تلك العبارة التي لا معنى لها أولهما يتعلق بالقضية الفلسطينية وثانيهما يعكس جديته في فتح صفحة جديدة مع العالم الإسلامي.
أما فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية فقد استخدم أوباما خطابا يضع مسؤولية متساوية على الإسرائيليين والفلسطينيين في التقدم نحو التسوية وكرر ذلك في عبارات ثلاث متتالية فهو قال إنه «يتحتم على كل من الإسرائيليين والفلسطينيين اتخاذ الخطوات الضرورية لبناء الثقة.
والفلسطينيون والإسرائيليون كلاهما يتحتم عليه أن يفي بالالتزامات التي قطعها على نفسه وكلاهما عليه أن يتغلب على مشاعر الحاضر وآلياته السياسية من أجل تحقيق تقدم نحو سلام دائم وآمن«. بعبارة أخرى، يغير أوباما من سياسة بوش إزاء إسرائيل التي قامت على أن إسرائيل معصومة من الخطأ ولا يتم مطالبتها بشئ على الإطلاق.
أما فيما يتعلق بالعلاقة بالعالم الإسلامي فلعل أهم ما قاله أوباما هو حديثه عن أصوله المسلمة. فهو قال أن «الكثير من الأميركيين تضم عائلاتهم من يدينون بالإسلام أو من عاشوا في بلدان ذات أغلبية مسلمة وأنا أعرف ذلك لأنني واحد من هؤلاء» وتنبع قوة تلك العبارة من أن أوباما رغم علمه التام بأنها سوف تستخدم على نطاق واسع من جانب خصومه في الداخل الأميركي، إلا أنه اختار أن يقولها، الأمر الذي يكشف عن جديته في تطوير العلاقة مع العالم الإسلامي.
كاتبة مصرية