بعد رسالة السلام الأميركية «للعالم الإسلامي»، وبعد رسالة الحرب الصهيونية «للعالم العربي» يجب الاستعداد للرد، ولابد أن نسلم أن نجاح الاستعمار في احتلال وتقسيم الأمة الإسلامية بعد الحرب العالمية الأولى لا يعني نجاحه في إلغاء هوية هذه الأمة، فمازالت شعوبها تدرك أنها شعب واحد تختلف خصوصياته وتأتلف رؤاه حول الانتماء الواحد، وأن دولها المتعددة من المحيط إلى الخليج جزء من وطن عربي واحد، وأن هذا الوطن العربي هو جزء من الأمة الإسلامية الواحدة..
كما مازالت شعوبنا تدرك رغم الظواهر المفتعلة والمؤقتة على السطح، أن الأمة الإسلامية كلها بعربها وفرسها وكردها وتركها، وبسنتها وشيعتها وبوهابيتها وصوفيتها، كانت ولاتزال مستهدفة على اختلاف خصوصياتها وتبايناتها بل وخلافاتها كأمة بها من الثروات الطبيعية والمعنوية ما يغري على الطمع.
وبها من الخلافات والانقسامات السياسية والمذهبية ما يغري على التآمر والعدوان.. مستهدفة صهيونيا بدعم غربي في ظل الاستعمار القديم أو بمشاريع الاستعمار الجديد وفق استراتيجية صهيو غربية، باستراتيجية تتعدد وسائلها وتتنوع خطاباتها وتتبدل مواقعها، مابين الاحتلال والغزو للمقاومين، وما بين الضغط والحصار للرافضين، وما بين شق الصف العربي والإسلامي بين العرب والعرب، وبين المسلمين والمسلمين، وبين المسلمين والعرب، وسلاحهم الأساسي هو «فرق تسد»..
ينشط العدو لزرع الفتن السياسية وتغذية الانقسامات الوطنية وإشعال الحروب الأهلية، بتفجير التباينات الطبيعية السياسية والطائفية والمذهبية، لكن الهدف الاستراتيجي الصهيوني في النهاية هو تقسيم المقسم وتجزيء المجزأ، لإخضاع الأمة كلها لمشاريعها ولمصالحها ولإرادتها الاستعمارية، والكل العربي والإسلامي مستهدف بالتطويع أو بالترويع، لا فرق لديهم بين مقاوم ومسالم وبين مفاوض ومعارض لإقامة إسرائيل الكبرى.!
كل هذا معروف ومفهوم لكن غير المفهوم وعكس المعروف هو أن العرب والمسلمين مازالوا كما أراد المستعمرون لهم، وليس كما يريد الله أو شعوبهم لهم، مقسمين ومختلفين ومتنازعين رغم ما بدا من مصالحات جزئية، غارقين في المشاكل الفرعية فيما بينهم وغافلين عن الأخطار الرئيسية التي يشكلها عدوهم، بغير استراتيجية قومية مقابلة متوافق عليها بين الأجزاء ومعبرة عن رؤى الشعوب، لها من الغايات ما هو واضح ومقدس ولها من الوسائل ما هو فاعل ومشروع. ففي حين أن الاستراتيجية الصهيو أميركية تتعامل مع العرب ككتلة واحدة، فإن العرب يتعاملون معها كدول متفرقة بسياسات مختلفة تفتح لهم الأبواب للعب على أحبال تناقضاتنا الداخلية.
وفي حين تتعامل أميركا مثلا مع «العالم الإسلامي» كأمة واحدة تسعى لتطويعها بالحروب تارة وبالسياسة أخرى، يتعامل معها المسلمون كدول متخاصمة أو كمذاهب متنازعة بما يفتح الثغرات لنفاذ المؤامرات والفتن والتمدد في فراغنا! إن أي تصور عربي استراتيجي صحيح في مواجهة الأخطار الصهيونية العدوانية المقبلة في ظل الموقف الغربي المنحاز، لابد أن ينطلق من الاتفاق على الأهداف والغايات التى تتطلع إليها شعوب هذه الأمة.
وهي تحقيق الثلاثية المعروفة المتمثلة في الحرية والوحدة والتنمية.. التحرر من الاستعمار القديم الصهيو غربي في فلسطين والعراق بالمقاومة، والتحرر من سيطرة الاستعمار الجديد بالاستقلال الحقيقي السياسي والاقتصادي والثقافي، وبناء الاتحاد العربي وصولا إلى الوحدة العربية والتضامن الإسلامي بتصحيح المعادلات المختلة في العقول المحتلة،.
ولابد أن يفرق بين العدو فيواجهه ولا يؤازره، والشقيق فيحاوره ويناصره، وبين ما هو صراع رئيسي فينشغل به ويشتغل فيه وما هو خلاف فرعي فينشغل عنه ولا يغرق فيه.. وهذا هو المحظور.