في افتتاحيتها ليوم 7 ابريل الجاري، تنصح صحيفة «هاآرتس» إسرائيل أو بالأصح حكومة نتانياهو «أن تصغي لهذا التغيير وان تستوعبه، وهو ما كان يمكن له أن يأتي في موعد مناسب أكثر من عشية تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة بنيامين نتانياهو» (هاآرتس: «رسالة واضحة من اوباما» ـ صحيفة المستقبل اللبنانية، 9 ابريل).
ما هي هذه الرسالة الواضحة والتغيير الذي يتعين على إسرائيل أن تصغي لها؟ حسب الصحيفة الإسرائيلية.. أن «الولايات المتحدة تؤيد بقوة قيام الدولتين، إسرائيل وفلسطين، بحيث تعيشان جنبا إلى جنب بسلام وأمان» وتضيف «لمن يسعى إلى تجاهل رؤية الدولتين، ذكر اوباما بان هذا الهدف اتفق عليه الطرفان في خارطة الطريق وفي مؤتمر انابوليس وانه لا ينبغي التوقع من الإدارة الأميركية أن تتبنى الموقف الإسرائيلي الجديد الذي يسعى إلى إلغاء مكانة مؤتمر انابوليس. ووعد اوباما بأن هذا هو الهدف الذي سأدفعه إلى الأمام بشكل نشط كرئيس».
لكن هل الرسالة موجهة إلى إسرائيل فقط؟ إنها رسالة في الاتجاهين، للإسرائيليين والفلسطينيين أيضا، وبالتحديد إلى طرف فلسطيني رئيسي اسمه حركة المقاومة الإسلامية (حماس). ترجمة هذا الكلام: «أن على حماس أن تقدم برنامجا واضحا».
معضلة الانقسام الفلسطيني هو انه ليس حتى الآن ليس خلافا على برامج إلا بشكل خطابي. ان قادة حركة حماس ومجمل خطابها يهاجم برنامج منظمة التحرير أو السلطة الفلسطينية أو حركة (فتح) لكنه لا يقدم برنامجا بالمقابل. والمقاومة المجردة هكذا دون أفق سياسي واضح ودون برنامج غير ذات جدوى.
نحن هنا أمام استعادة تاريخية لمرحلة سابقة من النضال الفلسطيني. فالموقف ذاته والانقسام ذاته وان بدرجة وإشكال أخرى كان سائدا في العقود الماضية من القرن العشرين لكن مع اختلاف اللاعبين. في ذلك الوقت كانت أسماء اللاعبين مختلفة: الجبهة الشعبية، الجبهة الديمقراطية أو الجبهة الشعبية (القيادة العامة) بل وحتى المنشقين عن فتح.
انها دورة التاريخ نفسها، ولقد تطلب الأمر أعواما امتدت منذ 1994 وحتى العام 2006 قبل ان تقر (حماس) مع باقي الفصائل بالمطالبة بدولة فلسطينية على حدود الرابع من يونيو 1967. لكن هذا الاتفاق أو الهدف المشترك مثلما هو واضح لم يكن بإمكانه ان يدفع حماس أو السلطة الوطنية وباقي الفصائل إلى اتفاق ينهي هذا الانقسام المرير ويعيد للوضع الفلسطيني بعضا من أسباب القوة والحصانة. والسبب الأساسي هو أن الإقرار بهدف مشترك وهو دولة فلسطينية في حدود 1967 لا يعني ان هناك برنامجا سياسيا يسعى لتحقيق هذا الهدف.
وثمة سؤال مرير يفرض نفسه: ما هي الأثمان والاكلاف التي تكبدها الفلسطينيون نتيجة إدراك متأخر أو إقرار متأخر بهدف كان مطروحا منذ سنوات طويلة؟ جوابي: لحظة ضعف فلسطينية غير مسبوقة تاريخيا.
ترجمة ذلك الجواب: الحرب الأهلية. في منطق وخطاب الانقسام الفلسطيني، لا نجد أكثر من أجوبة اتهامية: المقاومة مقابل الاستسلام، المقاومة بديلا للمفاوضات.. الخ. يترجم ذلك نفسه في وعي جماعي مثقل بإحساس الهزيمة والرغبة في الانتقام (وسيلة لاستعادة التوازن النفسي والثقة) راح يعبر عن نفسه باختزال شديد فيما تفيض به شبكة الانترنت. ليست هناك صيغة لتداول فلسطين عبر الانترنت سوى «الهجاء«. أي ذلك الوضع المختزل في ثنائيات الدائرة المغلقة من الاستعصاء: هم المخطئون ونحن على صواب، مقاومة بديلا للمفاوضات.. الخ.
لعل هذا كله يقدم تفسيرا لفشل حوار القاهرة بين الفصائل الفلسطينية وخصوصا (حماس) و(فتح). الفشل مرده ان الحوار لا يدور حول برامج وليس مناظرة لقراءة الوضع قراءة عقلانية سياسية وإستراتيجية، ولا تدعمه قراءات معمقة للوضع وتقييم لميزان القوى، هذا ليس واردا لان الخلاف والانقسام لا يدور حول برامج.
البرنامج الوحيد المطروح هو برنامج منظمة التحرير، أو السلطة الفلسطينية وحركة فتح. لكن هناك حقيقة يتعين الانتباه لها جيدا: ان إخفاقات السلطة أو إخفاقات حركة فتح لا تعني حكما على خطأ البرنامج أو عثرته. قيام دولة فلسطينية على حدود العام 1967 هو الهدف الاستراتيجي الواقعي الوحيد الذي يمكن النضال من اجله، لا ان تتحول الوسائل إلى غايات بحد ذاتها.
لكن البرنامج ليس سياسة وعملا عسكريا فحسب، فهناك شعب يتعين ان يتحمل قادته مسؤولية توفير العيش الكريم له وتحسين أوضاعه على الدوام، وبناء الدولة لن يتوقف على نتائج المفاوضات والتوقيت الذي ستعلن فيه، بل انه نضال مستمر وعمل دؤوب ومثابر أصعب من النضال السياسي والعسكري.
طالما لم تقدم حركة (حماس) برنامجا واضحا للشعب الفلسطيني بعيدا عن بناء سياسات وخطاب يتغذى من إخفاقات السلطة و(فتح) فلن يكون للحوار الفلسطيني أي جدوى. ترجمة هذا الكلام: آن الأوان لتحمل المسؤولية الكاملة عن قيادة الشعب الفلسطيني.
كاتب وصحافي بحريني
