كلام نتانياهو، الأخير، عن رغبته المزعومة في العمل من أجل «السلام»، يثير السخرية. فالرجل، كراهيته واضحة ورفضه قاطع؛ لما تعنيه هذه العبارة في حقيقتها.

مواقفه المعروفة، في هذا الخصوص، سبق له أن شرحها بصراحة؛ يوم كان في الحكم ويوم كان خارجه. لا لبس فيها ولا غموض. وتركيبة حكومته الحالية، أبلغ تعبير وتوكيد؛ على مقاربته المشوهة، بل المعادية، لمفهوم السلام. لا مكان في قاموسه، إلاّ للاستسلام.

سلامه للفلسطينيين، اقتصادي فقط لا غير. لا يزيد على صيغة، تكفل تحسين أوضاعهم المعيشية. وطبعاً بمقاييسه. والباقي احتلال مقنّع وزحف استيطاني منظّم، تحت ذريعة «النمو السكاني الطبيعي» للمستوطنات. مع ذلك اغتنم فرصة المكالمة الهاتفية الأولى، مع الرئيس الفلسطيني؛ ليتشدّق بحرصه على متابعة السعي، في هذا الاتجاه.

«إن رئيس الوزراء ذكّر الرئيس عباس بالتعاون والمحادثات التي جرت بينهما في الماضي وأبلغه نيّته بمعاودة ذلك في المستقبل، بغية دفع عملية السلام بين إسرائيل والفلسطينيين»، كما جاء في بيان صدر عن مكتب رئاسة الوزراء؛ تعقيباً على المكالمة. لم يذكر كلمة مفاوضات. وليس ذلك صدفة.

فهو لا يرى، بقدر ما يعنيه الأمر، أن هناك موضوعا للتفاوض حوله. هناك عملية إبلاغ فقط. ولذلك استخدم عبارة «تعاون». كما لم يكن صدفة، تعبيره عن «نيّته»، وليس التزامه بعملية السلام؛ حتى لا نقول بالدولة الفلسطينية، التي لا يطيق حتى نطق اسمها. حتى وقت «معاودة» الاتصال، تركه في ذمة «المستقبل»، مفتوح على الزمن.

الرسالة واضحة: كما كانت نتائج تعاونه ومحادثاته، في الماضي؛ ستكون في المستقبل. وبقدر ما أدّى ذلك إلى «دفع» عملية السلام، في ما سبق؛ سيؤدي إليه حين يستأنفه لاحقاً.

نوايا نتانياهو المزيّفة، في هذا الموضوع، معروفة. ما كان عليه تكليف نفسه للحديث عنها. أما وأنه عاد وكرّرها بهذه الصيغة الملتوية؛ فهو يعيد التذكير بها وبعدم تزحزحه عنها. ولعلّ في ذلك ما يزيد من الحاجة، لمعرفة نوايا الإدارة الأميركية الجديدة؛ التي حرصت في أكثر من مرة على وضع فاصل بينها وبين مواقف وتوجهات حكومة نتانياهو. فهنا مربط الفرس.

الثنائي بيبي ـ ليبرمان وشركاؤه، ليس في وارد تبديل جلدته، العنصرية العدوانية. ناهيك بأية نيّة للجلوس حول طاولة تفاوض هادف. إذا كان هناك من فرصة لمثل هذا الاحتمال، فإن مفتاحها موجود ـ للمرة الألف ـ في واشنطن. وأيضاً، إذا كان سيّد البيت الأبيض يعتزم ولوج هذا المدخل؛ فلن يكون بقدرة احد الوقوف بوجهه. هذه «إذا» كبيرة. لكن على الجانب العربي أن لا يقبل بنفيها؛ تحت أية ذريعة كانت.