اضطراب الأوضاع السياسية في دول الفراغ السوفييتي السابق لابد وأن يثير قلق العديد من الدول المجاورة، ويطرح تساؤلات حول آفاق حكومات هذه الدول التي على مدار السنوات الأخيرة بدت تنهار بسبب تحركات جماهيرية احتجاجية متنامية. إلا أن البدائل التي تحل محل الحكومات المنهارة غالبا ما تكون مشابهة لها وربما أسوأ من سابقتها.
واذا اعتبرنا أن أوكرانيا مثال صارخ، باعتبار أنه منذ خمس سنوات تم استبدال حكم ليونيد كوتشما بحكم فيكتور يوشينكو عبر ثورة برتقالية، ولم يقدم يوشينكو لأوكرانيا سوى المزيد من تدهور الظروف المعيشية، وايجاد عداوات دولية خاصة مع الدول المجاورة وروسيا، فإن التطورات الجارية اليوم في مولدافيا وجورجيا تطرح تساؤلات جادة حول آفاق الحكومات البديلة.
لاشك أن حكومة الحزب الشيوعي برئاسة فارونين في مولدافيا بعيدة كل البعد عن التوجه الاشتراكي، خاصة وأنها تسعى للتحالف مع الناتو والغرب على حساب علاقات الجوار مع روسيا ورومانيا، والأهم من ذلك أنها لم تقدم أية حلول حقيقية للمواطن المولدافي، واستمر غلاء الأسعار والتضخم. ولكن يبدو أن المعارضة الليبرالية ليست لديها حلول حقيقية.
بل ان التحركات الأخيرة التي جاءت في أعقاب الانتخابات البرلمانية التي حصل الحزب الشيوعي فيها على أغلبية مقاعد البرلمان ما يؤهله لاختيار رئيس البلاد عكست منطق الشارع المولدافي في اختيار السيئ بدلا من الأسوأ.
أما تصاعد الاحتجاج الجماهيري في جورجيا فيبدو أنه يأخذ أبعادا أكثر جدية من التحركات الاحتجاجية في مولدافيا وأوكرانيا، حيث رفعت المعارضة شعار إقالة الرئيس الحالي ميخائيل ساكاشفيلي.
والذي وصل إلى مقعد الرئاسة على أكتاف الجماهير منذ أقل من ست سنوات. وعلى مدار الأيام الماضية خرج إلى شوارع العاصمة الجورجية تبليسي عشرات الآلاف من المتظاهرين. والسؤال الذي يطرح نفسه هل شعر هؤلاء بالملل من ساكاشفيلي وقرروا استبداله بشريكته السابقة في ثورته ضد شفرنادزة رئيسة البرلمان نينا بورجانادزة؟
لاشك أن ساكشفيلي قد ورط بلاده في حرب ضد روسيا بلا طائل تسببت في دمار وخراب وخسائر اقتصادية، وقبل هذه الحرب فشل ساكاشفيلي في تنفيذ وعوده وتحسين مستوى حياة المواطنين، بل وأدار عمليات تصفية جسدية لمعارضيه وحلفائه الذين اختلفوا معه، بدءا من نائبه زوراب جفانيا، وانتهاء بمطاردة وزير دفاعه السابق الذي غادر البلاد إلى فرنسا هربا من محاولات تصفيته.
ولم يكن ساكاشفيلي قادرا على إيجاد حلول لأزمات البلاد الاقتصادية. هذه العوامل لابد وأن تقود المواطن الجورجي للاحتجاج والتظاهر ومطالبة ساكاشفيلي بالاستقالة. ولكن السؤال.. هل ستقوده لمساندة شريكة ساكاشفيلي السابقة بورجانادزه لتولي رئاسة البلاد والتي اعتبرت منذ خمس سنوات أن انتصار ساكشفيلي في انتخابات الرئاسة هو انتصار للبلاد ومصالحها!
والمثير للشكوك في مصداقية المعارضة بزعامة شركاء الأمس انها بدأت تحركاتها بعد التشاور مع ممثلي الاتحاد الأوروبي حول مطالبهم وأسلوب الاحتجاج الذي سيتم اتباعه.
وقد أعلن ممثل الاتحاد الأوروبي انه تشاور مع زعماء المعارضة، وانه قد يلعب دور الوسيط في الحوار بين الحكومة والمعارضة، ما يدعو للاعتقاد أن المسألة لا تعدو عملية استبدال لساكاشفيلي حليف الغرب بعد أن فشل في تنفيذ المهام الملقاة على عاتقه بحليف جديد للغرب من فريقه، يتمتع بوجه نظيف يقبله الشارع الجورجي الذي وصل إلى مرحلة الانفجار. إذا هي محاولة لاستبدال اللاعب الفاشل بلاعب قد ينجح ويتم لتحقيق ذلك استغلال الرفض والغضب الشعبي للحكومة.
وما يثير الدهشة سرعة تشكيل الأحزاب المعارضة وتوسعها السريع وتبؤها موقع القيادة، بالرغم من أن هذا الأمر يتم بسبب غياب قوى تعبر عن مصالح المواطن الجورجي وتدافع عن مصالحه، ما جعل ساحة العمل السياسي خالية أمام ممثلي القوى الدولية الذين يمتلكون التمويل والقدرة على التحرك الإعلامي، وبالتالي الانتشار في ساحة العمل السياسي.
ما يعني أننا سنعود مرة أخرى لنموذج الثورات المخملية التي تأتي بقيادات تخدم مصالح خارجية، وتنتهج سياسات بعيدا عن مصالح المواطنين.
كاتب ومحلل سياسي أوكراني