للتو أعود من الرياض بعد مشاركتي في لقاء جمع عددا من الإعلاميين السعوديين بمجموعة من طلاب وطالبات الجامعات في الرياض. كان عنوان الملتقى: الشباب والإعلام. وكان أحد الأسئلة الرئيسة في اللقاء يسأل عن كيف يعالج الإعلام قضايا الشباب والتحديات التي تواجههم. وعلى طاولتي مر عدد من الطلاب والطالبات وسعدت بسماع آراء متعددة حول الإعلام ونظرة الشباب لأداء الإعلام وقضايا أخرى.

في ظني أن الفجوة الكبيرة بين الأجيال في المجتمعات العربية عموماً هي واحدة من إشكاليات التنمية. ففي الغالب يكون أصغر من يشرف على خطط التنمية في العالم العربي في بداية الستينات من عمره ويشرف على خطط تعنى بمجتمع غالبية أفراده أعمارهم في الثلاثين وأقل.

سأل الشباب أسئلة مهمة. تساءلت طالبة من جامعة اليمامة: لماذا لا يعين الشباب في مناصب عليا في وزاراتنا وفي مجالس إدارة مؤسساتنا الإعلامية؟

وسأل طالب آخر لماذا أغلب رؤساء تحرير الصحف السعودية في عمر جدي رحمه الله؟

الفكرة هنا مهمة. فمجتمع غالبية سكانه من فئة الشباب تكون حاجته أكبر لفهم هموم الشباب وطريقة تفكيرهم ورؤيتهم لأنفسهم وللعالم من حولهم. إننا إزاء أجيال تتواصل اليوم عبر «الفيس بوك» و«الإيميل» وتشاهد التلفزيون عبر «اليوتيوب» و«الموبايل» وترتبط مع العالم كله عبر «اللاب توب» من أي مدينة أو قرية في السعودية.

ولهذا أقترح أن يأتي الإعلاميون مثلنا للالتقاء بالشباب ليس للتنظير حول الإعلام أو علاقة الشباب بالإعلام ولكن للاستماع للشباب، أولاد وبنات، يتحدثون في شؤون شتى قد تكشف للإعلامي منا عمق القطيعة بين الأجيال في مجتمعنا وربما ندرك أيضاً بعد مسافة الفهم بين الأجيال في بلادنا.

قالت طالبة مشاركة إن الإعلام العربي لا يحفزها على الإبداع لأنها أصلاً لا تثق في الإعلام العربي ولا تتابعه لا من قريب أو بعيد. سألتها من أين تتعرف على ما يحدث في العالم القريب والبعيد منها، فأجابت أن الإنترنت أعطتها بدائل أفضل من إعلامنا العربي الذي يقزمها كامرأة ـ هكذا قالت ـ ويختزلها في اللون الزهري وصفحات التجميل.

وقال طالب من كلية الطب في جامعة الملك سعود إن الإعلام حينما يأتي لتغطية فعاليات كليته يتجاهل إنجازات طبية وعلمية مهمة لطلاب كلية الطب ويبحث عما يستفز المجتمع بإثارة موضوع «الاختلاط» في كلية الطب وكأن طلاب وطالبات الطب لم يدرسوا في كلية الطب إلا من أجل الاختلاط!

واقترحت طالبة أخرى أن تسعى وسائل الإعلام لصناعة «النجم» من خارج دائرتي الرياضة والغناء، فما الذي يمنع من أن يكون الطبيب أو المهندس أو الأكاديمي «نجماً» تسلط عليه الأضواء؟ وجاءها الرد من طالب آخر مؤكداً أن الفن والرياضة ينتجان المواضيع التي يقرؤها المجتمع (أي المواد التي تساعد الإعلام على الربح).

و قال آخر: المجتمع هو الذي يقود الإعلام وليس العكس! وثمة آراء كثيرة مهمة تداولها الشباب مع الإعلاميين في الرياض بداية الأسبوع تستحق فعلاً الرصد والنقاش. لكن الفعالية بحد ذاتها تؤكد مرة أخرى على أهمية خلق فرص جديدة ومستمرة للحوار بين الشباب وصناع القرار، وبين صانع القرار وفئات المجتمع الأخرى كي يتحقق فهم حقيقي لحاجة المجتمع وقضاياه.

لقد كانت سعادتي غامرة أن ينعقد مثل هذا اللقاء في الرياض. في السابق، نظمت مؤسسة الفكر العربي -- وهي المؤسسة السباقة في تنظيم وإدارة لقاءات الشباب في الوطن العربي -- حوارات مماثلة شارك فيها شباب سعودي لكنها عقدت في بيروت والمنامة والقاهرة. فهل لابد أن يخرج السعوديون من بلادهم كي يناقشوا قضايا تهم واقعهم ومستقبلهم؟

إن إشاعة ثقافة الحوار الصريح الذي يتيح مساحة واسعة لكل الآراء والتوجهات أصبحت حاجة «تنموية» ملحة لمجتمع عانى طويلاً من هيمنة مدرسة فكرية أحادية خلقت مناخاً إقصائياً أصبح فيه أدنى اختلاف في الرأي مدعاة للتكفير أو الإقصاء.

من هنا يأتي التقدير لأي فرصة جديدة ومختلفة للحوار مع وبين الشباب في مجتمع حيوي ومتنوع في أفكاره وتجاربه ورؤاه. وهي أيضاً فرصة لتذكير الزملاء في الوسط الصحافي بالحاجة المتواصلة لفهم قضايا المجتمع وأولوياته.

وهي أخيراً دعوة لإيجاد منابر للحوار الجاد بين المسؤول والشباب وبين صانع القرار التنموي وقطاعات المجتمع المختلفة. وهي بعد وقبل كل ما سبق فرصة ذهبية لفهم بعض أوجه التحول الكبير الذي يعيشه المجتمع السعودي اليوم.

كاتب ومستشار إعلامي

alhattlan@post.harvard.edu