تركت أميركا وحلفاؤها أفغانستان عندما وضعت على لائحة الإهمال، وهو سبب استدعى أن تكون منبتاً وحضانة للإرهاب، إذ لو وصلت المعونات وإعمار ما أفسده السوفيات والحكم الشيوعي لربما كانت بلداً موحداً، ينتمي للعالم المستقر، وهي قضية لم تعالج حتى الآن، حتى إن قوات حلف الأطلسي التي تحاول القضاء على طالبان بدأت تعيد هيكلة سياساتها بما في ذلك تنظيم قوتها حتى لا يكون هذا البلد خلية كبرى لنمو متطرفين ليس لديهم ما يخسرونه عندما تصل بهم الحاجة إلى احتراف الإرهاب.
الحالة نفسها تعود للصومال، فقد انتقلت من حكم يميني ليساري والعكس وكانت القوى العظمى تحلم بأن السيطرة على هذا البلد البائس والغني بإمكاناته غير المكتشفة أن تورط السوفيات في حالته، ثم الأميركان والذين شاهدوا في شوارع مقديشو كيف يسحل جنودهم مما اضطرهم للهرب، وقد جاء التأكيد على ترك الصومال تأكل نفسها بالحروب والتدخلات الأجنبية بما فيها جارتها أثيوبيها أن غرق الجميع بسواحلها وغاباتها، والآن والعالم يكتشف خطورة القراصنة وكيف وسعوا دائرة السطو على السفن التجارية في أخطر ممر يبدأ من خليج عدن وحتى المحيط الهندي بدأ العالم يستيقظ على مشكلة عالمية.
فاحتجاز السفن لا يخضع لمن تؤول، فالجميع في دائرة الخطر، وهنا بدأت ترى الدول الكبرى أنها تعيش أمراً جديداً على طول شواطئ الصومال الممتدة لأكثر من ثلاثة آلاف وسبعمائة كيلومتر، وكل محيطها، ولعل أميركا التي أدركت بحس القوة العظمى أنها جزء من الدول المستهدفة بدأت تتحرك وربما تجر مجلس الأمن لتوقيع عقوبات وتدخلات وفق البند السابع، لكن حتى مجال التعاون الدولي بمكافحة القرصنة، قد لا يكون مجدياً، ما لم يعالج الوضع الداخلي الصومالي، لأن دوافع الموت إما الحروب الداخلية أو الجوع والتهجير، هي التي جعلت حوافز نمو القرصنة باباً ناجحاً للحصول على أموال لم تكن تدخل حتى في أحلام الصوماليين، وقد جاءت المغامرات لتكون قضية لم توضع لها حسابات دقيقة ترفع الحياة البائسة عن كل الصوماليين، ومن ثم يتم تشكيل دولة لديها قابلية النجاح في ضبط الأمن وفق قواعد تعزيز قواتها المسلحة وأجهزتها الأمنية، لأن الفوضى السائدة استدعت استغلال الأوضاع القائمة بأن ينمو مسلسل الإرهاب بأساليب القرصنة..
أما لو دخلت منظمات إرهابية، وتزاوجت مع المافيا العالمية، فإن العالم سيدخل مواجهة قد تكون نموذجية ومعقدة، وقد تعيد سيرة القرصنة التاريخية بأدوات وأساليب يعجز المجتمع الدولي عن معالجتها بالوسائل الرادعة..
الصومال تستطيع أن تكون بلداً مستقراً، بشرط أن يعي العالم المأساة التي يعيشها شعب هذا البلد، ويتعامل معها بحس المسئولية، لأن قضية التغلب على قتل عشرة أو مئة أو ألف من القراصنة، لن يضعف المد القادم من الداخل، خاصة وأن شهوة المغامرة المؤدية إلى كسب الملايين، سوف تكون الطريق المؤدي لقبولها مهما كانت النتائج..
الآن أميركا استطاعت أن تحقق بعصر أوباما نصراً بتحرير أحد الرهائن، وهي خطوة قد تؤدي إلى تعاون دولي بتحديد مهمة مكافحة القرصنة، لكن دون العمل على بناء الصومال من الداخل، فقد لا تنجح أي مهمة لأن المشكل عائد بسبب الفقر والتسيب الأمني وهما مفتاح الأزمة..
