ليس من المبالغة في شيء القول أن الآونة الأخيرة شهدت تصاعدا واستمرارا لعمليات القرصنة أمام السواحل الصومالية، وفي المياه الدولية القريبة منها، وهو ما بات يشكل خطرا واضحا يهدد بالفعل حركة الملاحة والنقل البحري وخطوط التجارة العالمية التي تمر بتلك المنطقة الحيوية من العالم.
ومع الوضع في الاعتبار أن أمن وسلامة خطوط الملاحة البحرية، سواء في المياه الإقليمية أو في المياه الدولية وأعالي البحار، هو أمر بالغ الأهمية، ليس فقط للدول الشاطئية، أي تلك التي تملك سواحل وشواطئ قريبة من خطوط الملاحة البحرية، ولكن أيضا بالنسبة لعدد كبير من الدول تستخدم بالفعل خطوط الملاحة الدولية في نقل السلع والمنتجات والبضائع من الدول المنتجة إلى أسواق العالم على امتداده من حولها، فانه يمكن القول بأن دول العالم جميعها، والتي يهمها تحقيق أكبر قدر ممكن من الأمن والأمان لحركة الملاحة الدولية في كل بحار العالم تتحمل مسؤولية تجاه الخطر والتهديد الذي يمثله نشاط القرصنة الذي يزداد اتساعا وخطورة.
جدير بالذكر أن مبدأ الضمان الجماعي بين الدول لحفظ السلم والأمن الدوليين هو من أهم المبادئ التي يستند إليها النظام الدولي، وكذلك منظمة الأمم المتحدة التي يعود ميثاقها إلى عام 1945، وذلك ضمانا للتعاون والتآزر بين الدول في مواجهة ما قد يهدد أمنها وسلامتها وأمن المجتمع الدولي من حولها أيضا. ولان تهديد امن وسلامة خطوط الملاحة الدولية، وبالتالي التجارة الدولية، يؤثر بالضرورة على السلم والأمن الدوليين، وكذلك على رفاهية واستقرار الكثير من الدول في العالم، بما فيها الدول الواقعة على مسافات بعيدة من جنوب البحر الأحمر وخليج عدن أو مضيق ملقا أو غيرها من المناطق التي تعرضت أو قد تتعرض لعمليات قرصنة أو سطو مسلح لسبب أو لآخر، فان التصدي لهذا الخطر يصبح واجبا على المجتمع الدولي ككل، وليس فقط على الدولة أو الدول الساحلية التي تقع أعمال القرصنة بالقرب منها.
ولعله من الأهمية بمكان الإشارة إلى نقطة على جانب كبير من الأهمية تتمثل في أنه ليس من المصادفة على أي نحو أن تنشط عمليات القرصنة أمام، أو بالقرب من السواحل الصومالية، فذلك يعد في الواقع نتيجة مباشرة لحالة التفكك والانهيار التي تعرضت لها الدولة في الصومال منذ بداية تسعينات القرن الماضي، وهي الحالة التي استمرت حتى الآن.
وباستثناء بعض فترات الاهتمام المحدود بالشعب الصومالي الشقيق، سواء من جانب جامعة الدول العربية، أو الاتحاد الافريقي أو الأمم المتحدة، فإن مأساة الصومال، دولة وشعبا، انه وقع في غياهب النسيان على مدى سنوات عديدة، أو بمعنى أدق لم يرتفع الاهتمام الإقليمي والدولي به إلى الدرجة الكافية لانتشاله والإسهام الحقيقي في حل مشكلاته السياسية، وقبلها الاقتصادية والاجتماعية.
ونتيبجة لحالة التفكك والانهيار التي عاشتها الدولة الصومالية، وكذلك النتائج المأساوية للمواجهات المسلحة وللتنافس بين التيارات والقوى السياسية في الصومال وتأثر ذلك كله بالتطورات الإقليمية والدولية من حوله تحولت الأراضي الصومالية إلى ملاذات للكثير من الميليشيات المتناحرة والمتعددة الاتجاهات أيضا. وهو ما كانت عمليات القرصنة احدى النتائج لذلك كله.
وإذا كانت القيادات الصومالية، أو بعضها على الأقل، قد التقى من أجل اختيار الشيخ شريف شيخ أحمد رئيسا جديدا للصومال في محاولة للوقوف ورائه ودعم جهوده لانتشال الصومال من الأوضاع والظروف التي يمر بها الآن، فانه من المؤكد ان تحقيق الاستقرار في الصومال – خاصة بعد انسحاب القوات الاثيوبية منه – لن يتحقق إلا إذا تم وضع حد لكل أنشطة القرصنة، في مياهه الإقليمية وفي المياه الدولية القريبة منه.
ولذا فإنه من الأهمية بمكان ان تتضافر جهود مختلف القوى الإقليمية والدولية المعنية بسلامة وأمن الملاحة والتجارة الدولية من أجل إنهاء أنشطة القراصنة وتهديداتهم للسفن ولطرق الملاحة الدولية وتدرك كل دول العالم أهمية وضرورة ذلك الآن وفي المستقبل أيضا.
