في خضم المشهد المأساوي الذي يذكّرنا بالحرب الأهلية في لبنان، تجري حاليا وقائع التحضيرات للانتخابات البرلمانية. ففي مثل هذه الأيام تحديدا اندلعت شرارة الفتنة في لبنان لتحصد مئات الآلاف من أبنائه وأبناء القضية الفلسطينية وغيرهما، ولتوقف مشروع التطور الذي كان سيرفع هذا البلد إلى مستويات جيدة.

وكنت سأقول، مثل ما يقول البعض، بأن «المؤامرة» هي التي استهدفت هذا الوطن الجريء لتقتل حيويته ونشاطه وتمنعه من التقدم، لكن الواجب الوطني يقتضي وضع الحقائق وكافة الأمور في مكانها الصحيح. بكل مسؤولية أقول إذاً، إن من أدخل لبنان في أتون تلك الفتنة الدموية المدمّرة هم اللبنانيون أنفسهم، الذين تناسوا فجأة ما كانوا يتغنون به دائما من امكانيات ثقافية وفكرية وغيرها، وفضلوا اللجوء إلى غياهب تخلّفهم المختبئ دائما وأبدا داخل النفوس.

واليوم، في ذكرى تلك الحرب البغيضة، تتمايل أمامنا مشاهد في غاية الخطورة تدعونا لأخذ العبر مما جرى. فالمشهد السياسي اللبناني لا يزال متراقصا على ما يبدو بين تفاصيل الأسباب التي أدت أصلا لاندلاع الحرب، ولا يخفي كثيرون ممّن يرسمون وقائع الأحداث استعدادهم لإظهار التحدي من خلال مواجهة الخصم بشتى الوسائل الممكنة.. لا سيما العسكرية منها.

كنّا نعتقد في الواقع أن بعض تلك القوى التي تضع نفسها في خانة من يتحمل المسؤولية دفاعا عن الوطن، ستكون قادرة فعليا على بث الطمأنينة في نفوس الجميع وإبعاد شبح الحرب، لكن تجارب المرحلة الأخيرة أظهرت للأسف بأنها لا تزال قابعة في تفاصيل المواجهة العسكرية المحتملة، مستخدمة لذلك ذرائع وحججا مختلفة.

ويبدو من خلال القراءة المتأنية لما جرى، أن الخطورة لا تكمن فقط في الطريقة التي تفكر من خلالها تلك القوى، بل كذلك في وجود أعداد غفيرة من اللبنانيين القادرين على إظهار انتمائهم الأعمى للفكر الإيديولوجي الذي تحمله، وبالتالي استعدادهم لإظهار ذلك الانتماء من خلال ما قد يقترحه عليهم هذا الزعيم أو ذاك القائد.

وهنا تحديدا تكمن خطورة ما يجري في الوقت الحاضر من أحداث على الساحة اللبنانية، وإن يكن ما نشهده حتى الآن ليس إلا صورة من مشاهد اللعبة الانتخابية المحقة التي يصفها معظم اللبنانيين بالديمقراطية، في حين يمتنع آخرون عن ذلك لأسباب مختلفة. ولعلّ أبرز ما يمكن إبرازه في هذا السياق هو بعض الأمور الهامة التي تشكّل تقرحات بارزة على الوجه «الديمقراطي» للعملية الانتخابية، والتي يمكن اختصارها على الشكل التالي :

* اختفى وهج الممارسة الديمقراطية في خضم ما نشهده من محاولات واضحة ووقحة من أجل قمع عملية التعبير الحر عن الرأي لصالح إلزام مؤيدي هذا الحزب أو ذاك بتأييد اللائحة المقترحة حتى لو ضمّت أسماء غير مقبولة بالنسبة إليها. المهم بالنسبة للناخب بات ما يقوله القائد، لا ما يمليه عليه ضميره الشخصي.

* استُكملت هذه العملية من خلال إشاعة أجواء واضحة حول الطريقة المتّبعة لتأمين الحشد اللازم حتى من دول الاغتراب الواسعة. ما هو خطير في هذا السياق هو أن القوى الفاعلة، بدون استثناء، تعبّر بشكل علني من خلال ماكيناتها الانتخابية عن اعتمادها على المال السياسي لتأمين ذلك الحشد. وقد بتنا نسمع في المهجر عن بطاقات سفر مجانية وما شابه من أجل حث الشباب اللبناني على العودة والمشاركة في العملية الانتخابية.

* أعيدت اللعبة الانتخابية إلى ممارسات قرون خلت من خلال ما شهدناه من أداء يكرّس الانتماء الإقطاعي والطائفي. هذا بدا من خلال تفضيل بعض الأحزاب أسماء مرشحين منتمين لعائلات إقطاعية معروفة بدلا من أن تدفع بكوادرها الحقيقيين إلى ساحة العمل البرلماني. كل هذا تم بالرغم من أن الأسماء المطروحة لم تبرز في ساحة العمل الميداني بأي شكل من الأشكال، وجلّ رصيدها الفعلي هو أن والدها كان فلانا أو غيره.

لقد أكدت هذه الحالة فعلا بأن لبنان يحوم في دوامة تخلّفه المؤسساتي، وأن الشعب لا يزال غير قادر على فرض المعادلة الديمقراطية الحقيقية المنتجة لمرشحين أكفّاء يمثلون الشعب بشكل صحيح. وليسمح لنا في هذا السياق بعض من يصنّفون أنفسهم في غير هذه الخانة، لأن ممارستهم في الحملة الانتخابية الحالية لن تبقي لهم أي مكان في خانة أخرى.

... وتبقى الطائفية السياسية بلا شك آفة لبنان الحديث. فهي الوباء الذي سمح بنشوء كل تفرعات الصراع الذي عانينا منه طوال المرحلة الماضية، وهي الشريان التي من خلالها تمددت تلك الصراعات عبر اجساد الوطن. ولأن الأمر كذلك فأن إصرار اللبنانيين على خوض معارك وجودهم البرلماني بالاستناد إلى انتمائهم الطائفي، إنما يقلّص روح المسؤولية بشكل كبير ويعزز فرص نشوء الفتنة المدمّرة مرة ثانية وثالثة ورابعة.

ولا تغرّنكم الشعارات الوطنية الكثيرة التي امتلأت بها الساحات، لأن التجارب أثبتت بأن الإنسان الطائفي قادر بسرعة خيالية على تحويل انتمائه الوطني إلى الولاء الطائفي دون أي اكتراث للوعود التي كان يطلقها بين وقت وآخر.

هذا بالفعل ما يمنع كثيرين، وأنا منهم، من التجرؤ على إطلاق صفة الديمقراطية على ما يجري في لبنان حاليا. فبرغم الصورة المرسومة أو المبثوثة إلينا عبر وسائل الإعلام عن طريقة الاقتراع وما شابه، تبقى الصورة السلبية الحقيقية هي الطاغية، إلا إذا توصل اللبنانيون إلى تلك القناعة الجريئة المتمثلة بإجراء التعديلات الكثيرة التي ستسمح بإيصال نسبة تمثيل حقيقية إلى المجلس النيابي.

لعل أفضل ما يمكن أن نتمناه لهذه الوطن الجميل في ذكرى حروبه المأساوية، هو أن يجد أبناؤه ما يكفي من الشجاعة والإيمان المخلص وتحويل اهتمامهم نحو بناء وطن حقيقي ممثل لجميع أبنائه..... كل عام وأنتم بدون طائفية.

كاتب لبناني

ezzedine@vol.cz