لا يزال التواصل بيني وبين بعض الإخوة مستمراً عبر البريد الإلكتروني الذي قرب المسافات وجعل التواصل سريعاً، وفي أي وقت دون تأخير أو اعتذار، كما كان ولا يزال يحدث خلال اللقاءات أو الاتصالات الهاتفية وكأننا في زمن لا تنقطع فيه الانشغالات الخاصة أو العامة التي تفرضها ظروف الحياة وإيقاعها السريع، فشكراً للانترنت الذي جعل التواصل أسهل.

تلقيت مجموعة من الرسائل الالكترونية كان بعضها قبل قمة الدوحة والبعض بعدها، لكنها في مجملها مليئة بالتنافر والغضب على الوضع العربي العام الذي لم يؤذن له بعد ان يتحرر من الخضوع أو أن يشفى من الاستبداد، كما تقول إحدى الرسائل والتي يعبر فيها صاحبها عن تمنياته ان يبدأ القادة العرب باتخاذ مبادرات ايجابية تتماشى مع الوضع العالمي والأزمة الاقتصادية الراهنة، بحيث تستفيد الدول العربية من هذا الوضع وكلمتها موحدة كحال أوروبا.

لكن عليها أولاً تقوية دور الجامعة العربية التي بشكلها الحالي لا تقدم ولا تؤخر، فهي منذ إنشائها في مكانها محلك سر، وإن بقيت على هذه الحالة سوف تضعف أكثر أو تتفكك، وهذا ما يتمناه أعداؤنا لأن هذه هي الصورة التي يعرفونها عنا بمواقفنا السلبية واختلافاتنا وضعف إرادتنا، والأجدر ان يقرر القادة في القمة سحب المبادرة العربية، على الأقل ليفهم العدو الإسرائيلي انه ليس هناك شيء بلا ثمن، وأن هذه المبادرة كانت صالحة في وقتها ولم تعد كذلك الآن، فهي لن تبقى مطروحة على هواه إلى ان يقرر قبولها بشروطه أو رفضها بجبروته.

فالوقت مناسب لتعزيز موقفنا وفرض مطالبنا، خاصة وبعض الدول الغربية بدأت تغير مواقفها بالاتجاه الصحيح، وكل ما هو مطلوب من الدول العربية هو استعمال لغة موحدة قوية حتى يعرف العالم أين ومع من مصلحته!

ورسالة أخرى وصلتني بعد القمة يقول صاحبها: هذا ما كان متوقعاً في القمة، وعلينا ألا نحلم بأكثر من ذلك ما دامت الشعوب العربية لا رأي لها وما دام بعض الرؤساء العرب كل يخاطب الآخر من فوق وكأنه الأقوى وعلى الآخرين تقديم واجب الولاء والطاعة له وإلا سوف يعرقل أعمال القمة، وكأنه لا يعرف ان العراقيل هي شعار كل قمة به أو من دونه!

ألم يكن باستطاعة من حضرها على الأقل تحديد مدة زمنية للمبادرة العربية ليعرف العدو ولو مرة جدية العرب في خطواتهم؟ مع ذلك فلقد كان متوقعاً ألا تخرج القمة بأي قرار من هذا القبيل، خاصة وقد سبقتها هالة إعلامية وتحركات سياسية لحل الخلافات العربية العربية التي كما هو واضح لا مؤشر على حلها، وستستمر استمرار حرب البسوس وعلى الأجيال القادمة حلها!

هذه هي حالة اليأس التي وصلت إليها الشعوب العربية وعبرت عنها بعض الرسائل، وستستمر هذه الحالة ما دامت القرارات العربية مختلفة والمصالح فردية والخلافات على الشكليات والمصلحة العامة لا وجود لها في قواميسهم، فكيف نستقوي وبمن ومع من؟!

بعث لي صديق إحصائيات تقول إن عدد اليهود في العالم حوالي 14 مليون نسمة، 7 ملايين منهم في أميركا، ومليونان في أوروبا و5 ملايين موزعين على أنحاء العالم بما فيها إسرائيل، أما عدد المسلمين فيصل إلى حوالي 5,1 مليار مسلم، مليار منهم يعيشون في آسيا و400 مليون في إفريقيا و44 مليوناً في أوروبا و6 ملايين في أميركا.

فرغم ان الفرق شاسع بين عدد المسلمين واليهود إلا ان اليهود هم الأكثر قوة ونفوذاً في العالم، لماذا؟ مع أنه بجانب الدول العربية الكبيرة بعدد سكانها، هناك ما يسمى بالدول العربية الغنية بثرواتها واستثماراتها في البنوك العالمية، فلماذا لا يستخدم العرب امكانياتهم المادية والسكانية ومواقعهم الجغرافية المتميزة واتساع رقعة أراضيهم الممتدة في آسيا إلى إفريقيا ومن الخليج إلى المحيط؟

فها هي تركيا بتوجهاتها الإسلامية والديمقراطية عززت مكانتها كشريك لأوروبا وأميركا وليس كتابع، خاصة بعد موقفها من العدوان الإسرائيلي على غزة، وبعد رفضها لترشيح الأمين العام للحلف الأطلسي وممارسة حقها باعتبارها العضو المسلم الوحيد في حلف شمال الأطلسي.

فلماذا لا تحذو الدول العربية حذوها وتستغل الأزمة الاقتصادية العالمية الحالية التي أضعفت الدول الغربية أكثر من غيرها وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية، وتوحد كلمتها، وتطالب بعلاقات جديدة مع الغرب مبنية على الشراكة والالتزام، وليس على التبعية والأمر. مع الأسف، الظاهر هو العكس أو كما قال لي شخصية باكستانية عندما سألته عن ما يجري في بلاده وما سبب التفكك والاختلاف والاقتتال الذي تعيشه باكستان.

والتي 90% من سكانها مسلمون من المفروض ان يعيشوا في تناغم ووحدة مقارنة بجارتهم الهند المستقرة رغم اختلاف وتعدد ديانات سكانها؟ فأجاب: باختصار متى تتحسن حال العرب تتحسن حال باكستان، فموقع باكستان من الدول العربية كموقع أوروبا من الولايات المتحدة فمتى استقرت أو عانت الأولى انعكس ذلك على الثانية.

مع ذلك ففي رأيي ان الظروف الراهنة التي يعيشها العالم غيرت مواقفه من أشياء كثيرة، وعلى العرب ان يستغلوا ذلك بدءاً بمحاورة العالم بما يتناسب مع مصالحهم وفرض رؤيتهم والمطالبة بحقهم في استرجاع أراضيهم المحتلة، خاصة والعدو في أضعف حالته بمجيء نتانياهو المتطرف العنصري الذي من الواضح ان توجهاته لا تتماشى مع العصر والوضع الأوروبي الأميركي الحالي، فها هي الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية تحاول التقرب من الغرب بشكل أو بآخر.

لكنها تريد منهم دوراً وتحركاً إيجابياً، وما خطاب باراك أوباما الاستراتيجي إلا خطوة لبناء علاقات جديدة مع العرب، والذي تحدث فيه لأول مرة في التاريخ الأميركي بإيجابية عن المسلمين، كما فعل بشكل بروتوكولي وانحنى لخادم الحرمين الشريفين للسلام عليه احتراماً منه للإسلام، وكانت أهم وآخر خطواته زيارة تركيا التي حملت معاني كثيرة. فلماذا لا تبادر الدول العربية بالضغط بثقلها الاقتصادي وتفعيل دورها اقليمياً وعالمياً والاتفاق مع الدول المساندة والمؤيدة لمواقفها لحل القضايا المصيرية العالقة من أجل مصالح الشعوب العربية؟

أم سوف ترضى الشعوب العربية بالعيش هكذا أسيرة للخلافات العربية العربية وللمصالح الشخصية، إلى متى؟ فالخوف كل الخوف أن يأتي يوم لا نفقد فيه احترام الآخرين لنا فحسب، بل احترامنا لأنفسنا ولهويتنا وللغتنا!

Sultan654@hotmail.com