لقد طرح الرئيس السابق بوش رؤيته حول الدولتين الفلسطينية والإسرائيلية، تعيشان جنبا إلى جنب، في ذروة تحالفه المطلق مع رئيس الوزراء الصهيوني السابق آرييل شارون، الذي كان يخوض حرب إبادة حقيقية ضد الشعب الفلسطيني.

وفي وقت كان في أمَسِ الحاجة لدغدغة المشاعر العربية حول دولة فلسطينية مؤقتة، بهدف إغواء العالم العربي، وهو يستعد لغزو العراق في بداية سنة 2003، بوصف غزو العراق هذا، والقضاء عليه كقوة عربية رئيسية على الأقل محسوبة على مجمل القوة العربية تقريبا، مثل أكبر نصر استراتيجي للهيمنة الإسرائيلية في المنطقة.

وسبق أن تعهد الرئيس بوش بأن يتم الإعلان عن الدولة الفلسطينية في بداية عام 2005، أي في نهاية ولايته الأولى، غير أنه لم يلتزم بتنفيذ تعهده. وفاجأ الجميع بعد فوزه في انتخابات الإعادة بتأجيل الإعلان عن هذه الدولة إلى العام 2009، أي بعد انتهاء ولايته الثانية وخروجه من البيت الأبيض!!.

الرئيس الأميركي الجديد باراك أوباما الذي يريد أن يغير الصورة السلبية عن الولايات المتحدة الأميركية في العالم العربي، حدد جدول أعمال أميركي للمرحلة المقبلة للتوصل إلى تسوية دائمة للصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، يتضمن تفويض مصر برعاية القضية الفلسطينية، وتكليف الأردن بتشكيل الأجهزة الأمنية الفلسطينية.

واعتبار السلطة الفلسطينية برئاسة محمود عباس شريكاً وحيداً للمؤسسات الدولية في إعادة إعمار غزة، وإرساله السيناتور السابق جورج ميتشل كمبعوث أميركي خاص يعمل لتحقيق السلام بين إسرائيل والفلسطينيين، وخطابه في البرلمان التركي الذي شدد فيه على حل الدولتين الذي أطلقه سلفه بوش.

الرئيس الأميركي الجديد أوباما الذي يعي مركزية الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي في قوس الأزمات الممتد من المتوسط حتى أفغانستان وباكستان، ويواجه كونغرس متعنتا في تحقيق أي تسوية للقضية الفلسطينية، يواجه الآن تحدياً كبيراً، يتمثل في معارضة رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو الذي أدى القسم يوم الثلاثاء 31 مارس الماضي، ما بات يعرف بحل الدولتين، أي إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة إلى جانب إسرائيل.

ففي خطاب القسم الذي ألقاه أمام الكنيست لم يتطرق نتنياهو إلى حل الدولتين الذي تؤيده واشنطن. لقد بدأت الحكومة الإسرائيلية الجديدة بزعامة نتنياهو ولايتها الرسمية برفض نتائج مؤتمر أنابوليس للسلام، وبالتالي دفن مقولة الدولة الفلسطينية.

حيث إن الأولوية لبنيامين نتنياهو تكمن في القيام بضربة عسكرية استباقية ضد منشآت إيران النووية، وتجميد عملية السلام حاملا على عاتقه كبديل ما سماه مشروع السلام الاقتصادي، في ظل رفضه للسلام، ورفضه إقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، وإطالته أمد الانشقاق الفلسطيني، وتكريس غياب المحاور الفلسطيني القادر على التحاور مع إسرائيل وبالتالي التهرب من المفاوضات، فيما أصبحت المبادرة العربية للسلام في مهب الريح بعد الحرب الإسرائيلية التدميرية على غزة.

وكان وزير الخارجية الإسرائيلية الجديد أفيغدور ليبرمان أعلن خلال تسلمه حقيبة الخارجية من الوزيرة السابقة تسيبي ليفني: «أن إسرائيل ليس لديها شريك للسلام»، وأضاف:«ليس هناك سوى وثيقة وحيدة تلزمنا، وهذه الوثيقة ليست مؤتمر أنابوليس.. بل خارطة الطريق»، لكي يتظاهر أمام العالم بأنه يؤمن بشيء ما.

الحقيقة الماثلة للعيان، أن الحكومة اليمينية المتطرفة بزعامة نتنياهو ليست مقتنعة بضرورة إنشاء دولة فلسطينية. فبعد موت اتفاقيات أوسلو، ودفن مسار أنابوليس، وعفا الزمن على «خريطة الطريق»، وتجاهل إسرائيل للمبادرة العربية للسلام، تلاشت إمكانية إنشاء دولة فلسطينية من يوم إلى آخر، من جراء التوسع في الاستيطان في الضفة الغربية، ودأب الحكومات الصهيونية المتعاقبة على رفض تقسيم القدس، إضافة إلى ما تعهد به نتنياهو بالموافقة على بناء مستوطنة جديدة تضم 3500 منزل خارج القدس، وتحيط بالأحياء العربية للمدينة.

إزاء هذا الوضع، تحول حل الدولتين إلى شرارة للخلاف بين نتنياهو وأوباما. فهل سيتمكن الرئيس الأميركي من فرض شروطه على الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني للمضي قدما في عملية التفاوض وفقا لتسوية أميركية تفضي في النهاية إلى اتفاق نهائي مدعوم من المجتمع الدولي للوصول إلى إنشاء دولة فلسطينية قابلة للحياة، تجنبا لانتفاضة فلسطينية ثالثة؟

كاتب تونسي

tawfik-m@scs-net. org