اختراع التلفون كان في حينه سبقا علميا مهما في عالم الاتصال وهو في هذا قد جاء لغرض أن يؤدي وظيفة التواصل بين الناس دون الحاجة للقائهم، وهو في هذا يختصر الوقت والجهد والمسافات ويؤدي وظيفة اللقاء دون الحاجة له. إلا أن هذا الاختراع قد تطورت وظائفه مع التطور الذي لحق بتكنولوجيا الاتصال وفي تطور أذواق الناس وفيما فعلت بنا جميعا ثقافة الاستهلاك.
وهي حالة قد جاءت على السوق بكل بضائعه ومنتجاته، فالمظهر الذي باتت تخرج به السلع والمنتجات ولربما الخدمات لم تعد محبوسة بالوظيفة التي من أجلها جاء هذا المنتج وإنما لحقت به أي المنتج وظائف جديدة تتماشى مع الأذواق والرغبات الشخصية ولربما متماشية مع التطلعات الطبقية وفي محاولة البعض الظهور بمظهر المتميز عن الآخرين.
فإنك عندما تشتري أي منتج جديد فإن فعل الشراء هذا تتداخل فيه عوامل نفسية واجتماعية واقتصادية ولربما رغبات شخصية أو مغرقة في الشخصية أو لحالة مزاجية طارئة، ففعل الشراء في حد ذاته يعبر عن الحالة المزاجية للفرد أحيانا، بفعله قد تخفض درجة التوتر النفسي كما أن به قد تعبر عن بعض ذاتيتك أو عن بعض تمايزك عن الآخرين.
ولم يعد شراء الهاتف مرتبطا بتأديته لغرض الاتصال وإنما أصبح اقتناؤه أو إعادة الاقتناء والشراء تؤدي وظيفة التباهي والزينة أحيانا أو مسايرة الركب في أحايين أخر.
ففعل الشراء قد يكون أحيانا معديا كالحمى لا يفلت منه أحد، فأنت محاط بمجموعة من المؤثرات التي تفعل فعلها في الإنسان فتدفعك لفعل الشراء وإن لم تكن راغبا فيه تماما. فجهاز الاتصال والهاتف المتحرك أو الجوال لم يعد قصرا جهازا للاتصال بالآخر البعيد أو القريب، وإنما في شكله ولونه ودرجة تعقيده قد يكون مكملا «لكشخة» الفرد: فلونه قد يكون متسقا مع لون حقيبة اليد أو القلم أو الحذاء أو اللباس في عمومه.
بالإضافة لذلك فإن الهاتف المتحرك قد يغنيك شراؤه عن اقتناء أجهزة أخرى، فهو جهازا للتصوير الفوتوغرافي ولربما السينمائي، أو التصوير بالفيديو وفي بعضها قد يكون قادرا على أداء فعل التصوير لساعات عديدة.
وهي أداة قد تم عن طريقها نقل صور لأحداث ومناسبات لم ترغب السلطات أو أصحابها في أن تخرج عن حدودها الإقليمية والعائلية، صورا وأحداث تناقلتها محطات التلفزة العالمية ووكالات الأنباء، وقد تكون خلسة تصوير لحظة إعدام الرئيس العراقي السابق صدام حسين إحداها، وأخرى جاء مكانها مواقع الشبكة العنكبوتية لتعبر إما عن حساسيتها أو انعدام مصداقيتها. كما أنه كجهاز قد تم عن طريقه تسجيل اعترافات لأفراد لم يكونوا مدركين في حينها لهذه اللحظة. كما أنه كآلة للتصوير، وبفعل انتشاره، قد تم عن طريقه تصوير أحداث لم يكن دونه يمكن تصوير لحظة حدوثها، وقد مثل نقلها لأجهزة الإعلام الأخرى سبقا صحافيا.
وهو كجهاز قد سهل من فعل الاتصال عبر الشبكة العنكبوتية، وفي بعضها قد يكون اقرب في وظائفه إلى أجهزة الحاسب الآلي الصغيرة أو المتناهية في الصغر، يتم من خلاله إنجاز كل المعاملات المالية والاجتماعية. كما عوض هذا الجهاز بابتداع وظيفة «المسج» فيه عناء الاتصال ولربما قد قلل إلى حد ما بعضا من التكلفة. فالناس قد أصبحوا يتناقلون التهاني والتعازي وعن طريقه أصبح بالإمكان الوصول لدائرة كبيرة من الناس والمعارف.
كما وعن طريقه أصبح أداة لنشر المسموح واللا مسموح من الأخبار و«السوالف» و«العكرات»، ومكنّ الأفراد من قول ما يخجلون قوله، في مسجاتهم، كما أنه قد كسر حاجز المنع على النساء من الاتصال بالآخر الرجل كمحب أو صديق، وهو في هذا أداة لسماع الأغاني والأحاديث ومشاهدة مقاطع لتسجيلات الفيديو ولربما لمشاهدة بعض القنوات التلفزيونية.
وفوق هذا وذاك يجب أن لا ننسى في غمرة ذلك رنة موبايلك.... وهي في هذا تعبر عن أذواق واتجاهات واختلاف في الفضاءات الثقافية والاجتماعية ولربما الطبقية كما أنها تعبير عن الفوارق بين الأجيال في الأذواق والتوجهات. فمن أن تكون هذه الرنة تقليدية أو واحدة من الرنات التي عرفت بها أجهزة الهاتف النقال حول العالم، إلى أن تكون الرنة عبارة عن مقطع لأغنية غربية لأحد مشاهير الغناء الغربي .
كمايكل جاكسون أو آخرين أو أن تكون الرنة مقطعا لأغنية عربية قديمة لأحد المطربين العرب المعروفين كعبد الحليم حافظ أو فريد ألأطرش أو سيد درويش أو أم كلثوم، أو أن تكون أغنية لأحد المطربين أو المطربات العرب المعاصرين من الشباب كنانسي عجرم أو هيفاء وهبي أو أليسا أو عمر دياب أو تامر حسني... وغيرهم أو أحد المطربين الخليجيين المعاصرين كحسين الجسمي أو راشد الماجد أو خالد عبد الرحمن أو نوال الكويتية أو غيرهم.
وقد تكون هذه الرنة ذات صبغة دينية فعلية أو مصطنعة، كأن تكون أذانا أو جزءا من آية من القرآن الكريم. أو أن تكون جزءا من حديثا دينيا لأحد دعاة الفضائيات المعروفين أو جزءا من حديث أو خطبة أمام مسجد ليوم الجمعة أعجب بها صاحب الهاتف أو مقطعا من أحد الأناشيد الدينية التي كثر تداولها في الفترة الأخيرة بفعل الانتشار الكثيف للفضائيات الدينية والكاسيت.
أو أن تكون الرنة مقطعا لقارئ معروف أو مجهول، كأن تكون مثلا مقطعا من دعاء خطيب الحرم المكي المعروف، أو أن تكون مقطعا لقارئ في إحدى الحسينيات في الخليج وقد يمتد ذلك لمقطع لأحد الرواديد المعروفين كباسم الكربلائي أو غيره من الرواديد المحليين المعروفين وغير المعروفين أو مقطعا لأحد «شيلات» العزاء الحسيني في شهر محرم. أو أن تكون مقطعا لخطاب أحد قادة إحدى فصائل الإسلام السياسي المحلية والعربية.
ولا ننسى أخيرا الصورة التي بات البعض يحملها في هاتفه المتنقل فهي إما أن تكون صورة لأحد الأبناء أو الزوجة أو الزوج أو أن تكون صورة لإحدى المطربات أو المطربين الشباب أو لأحد القادة السياسيين المحليين أو العرب أو الإسلامويين تذكر هذا البعض بمن أحبوا.
وهي كلها كما نرى توظيفات تجاوزت الوظيفة الأساسية لجهاز الاتصال في التواصل لوظائف أخرى جديدة مخترقة بذلك للحدود الشخصية والموانع والحدود الإقليمية وأخرى معيدة لمنظومة القيم التقليدية والمحافظة، ولكن كل ذلك يتم في فضاءات حداثية أو ما بعد حداثية بل بأداة ما بعد حداثية دشن بها العالم ولوجه إلى عصر الثورة الرقمية..
كاتب بحريني