انقضى أربع وثلاثون سنة على بداية الحرب الأهلية اللبنانية، التي انطوت صفحتها المشؤومة في آخر ثمانينات القرن الماضي. خسائرها الفادحة، على كل صعيد، كانت مدمرة. تداعياتها لا تزال تجرجر حتى اليوم؛ وإلى إشعار آخر. وقع البلد في دوامتها ولم يعد يعرف كيف يخرج منها. أوصلته عبثيتها، إلى حدود التلاشي.
يأتي اللبنانيون على سيرتها، بأسى ووجع وبكثير من الندم. وطالما قيل بأنهم جرّبوها وذاقوا مرارتها؛ وبالتالي لن يقعوا بعد اليوم في فخّها. لكن الأزمة السياسية المندلعة هناك، منذ أربع سنوات؛ والتي بلغت ذروتها قبل نيّف وسنة، كشفت أن المناعة ليست صلبة بما يكفي لعدم تكرار المأساة. كاد لبنان أن ينزلق من جديد إلى أتون ذلك الجحيم. وقف على حافة هاويته.
وجاء الإنقاذ في مؤتمر الدوحة. عادت الأمور وإلى حدّ بعيد، إلى مجاريها. اليوم وعلى هذه الخلفية، يقف البلد على مسافة أقل من شهرين؛ من انتخابات نيابية حامية. الحالة الأمنية مرضية، حتى الآن. لكن الاحتقان موجود تحت القشرة. حريّ باللبنانيين أن يتوقفوا، عند ذكرى الحرب، هذه السنة، بعين ناقدة كي يستخلصوا العبرة القاطعة؛ التي تكفل بان لا يكتووا بعد الآن بنار الاقتتال الأهلي، المحكوم بالخسائر الصافية للبنان وأهله..
الخلاصة المؤكدة لتلك الحرب البائسة، أن كل الأطراف خرجت منها نازفة. صحيح حصل تغيير بالموازين والمعادلات السياسية. لكن لا رابح حاسم، فيها. الأمر الذي يعني أن الكل أخطأ.
الأهم كان، أن الشطب والإلغاء في مثل هذه الحرب؛ ممنوعان. العيش المشترك، هو الخيار الوحيد. بل الإجباري. مع ذلك جاءت التوترات والاحتكاكات، التي شهدتها فترة ما قبل الدوحة؛ لتوحي وكأن هذه الدروس؛ لم تكن قادرة على الصمود. أو على الأقل أنها مهدّدة بالتحول إلى حبر على ورق.
عادت كوابيس الماضي القريب، لتحوم فوق لبنان. الأخطر، أن الفتنة المذهبية أطلت برأسها؛ ولأول مرة في تاريخ الصراعات اللبنانية. في ظلّ المناخات السائدة في المنطقة، كان يمكن لمثل هذه الحالة الطارئة أن تجعل من الحرب الأهلية أشبه بالنزهة؛ مقارنة مع ما كان يمكن أن تصل إليه الأمور. في اللحظة المناسبة، رجحت كفة الاستدراك وحصل التدخل اللازم، لمنع هدم الهيكل على رؤوس أصحابه.
من مصلحة لبنان واللبنانيين، اجتياز الاختبار الانتخابي؛ وفي الذهن دروس هذه الذكرى وتجارب السنوات الأخيرة. علّ التسلح بها يساعد على تمرير المنافسة، ليس بهدوء فحسب؛ بل أيضاً بصورة تجعل منها جسر العبور إلى مرحلة ما بعد الأزمة، وإلى غير رجعة.
