اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر 2001 خدمت - بطريق غير مقصود ـ استراتيجية الإدارة الأميركية السابقة والقائمة على الضغط والتدخل والضربات الاستباقية، وساعدت على بسط النفوذ الأميركي، وفي حربها على الارهاب العالمي، وكان أبرز تجلياتها: القضاء على دولة طالبان وتدمير أوكار القاعدة وتشريدها وإزالة النظام العراقي السابق وتصاعد المد الديمقراطي، لكن حظوظ الإدارة الأميركية الجديدة في استراتيجيتها القائمة على تغليب لغة الدبلوماسية والتفاوض تبدو ضعيفة.
فإضافة إلى التركة الثقيلة الموروثة عن الإدارة السابقة، تعاني الإدارة الحالية من تداعيات الأزمة المالية والتي طالت رمز الشموخ الاقتصادي الأميركي (جنرال موتورز) وأما في الساحة الخارجية فتبدو الأمور وكأنها تسير عكس توجهات الإدارة الجديدة، ترى هل هو من قبيل سوء الحظ أم ضعف يلازم الإدارات الديمقراطية أم هو تحولات جديدة نحو نظام عالمي متعدد الأقطاب؟!
الرئيس الأميركي (أوباما) رئيس متفائل ويبدو واثقاً من رهاناته وهو يحظى بشعبية واسعة بين الشعب الأميركي وشعوب العالم، ويتمتع بثقة زعماء العالم ولا تنقصه الإرادة والعزم، ولكن هل يكفي التفاؤل ـ وحده ـ؟ وهل تكفي الصفات القيادية الايجابية في عالم تتنازعه المصالح المتضاربة والنزعات التعصبية؟
ماذا بإمكان الرئيس أوباما أن يقدمه للمجتمع الأميركي في ظل الظروف الاقتصادية الخانقة؟ وما خياراته في مواجهة التحديات الخارجية والإرهاب المعولم؟
هل جاء أوباما متأخراً أم جاء في غير وقته؟ قد لا أملك إجابة محددة على هذه التساؤلات، ولكن كافة الأوضاع السياسية الدولية تناهض توجهات الإدارة الجديدة وتشكل معوقات صعبة أمام رهاناتها في عالم يسوده السلام والتعاون والشراكة، إذا ألقينا نظرة على جهود إحلال السلام وتحقيق حلم الدولتين وتفعيل مبادرة السلام العربية في المنطقة العربية، فإن مجئ الحكومة الإسرائيلية الجديدة بتوليفتها من عتاة اليمين المتطرف هو أكبر تحد للحكومة الأميركية.
وهناك مخاوف من أن تدخل هذه الحكومة في مواجهة عسكرية في أكثر من جبهة، أبرزها ضرب البرنامج النووي الإيراني، فهي الحكومة الأكثر تطرفاً وجمعاً للصقور منذ قيام الدولة العبرية قبل 60 عاماً، أما التحدي الإيراني فهو المعوق الثاني للإدارة في المنطقة، ورغم أن أوباما خاطب الإيرانيين في عيد النيروز.
ومجد حضارة إيران العريقة وتمنى للشعب الإيراني مستقبلاً زاهراً إلا أن تجاوب القيادة الإيرانية كان مخيباً، إذ قالوا على أميركا أن تتغير أولاً حتى نتغير، هناك من يفسر الاستعلاء الإيراني بأن باعثه اعتقاد القيادة الإيرانية أن أميركا في أضعف حالاتها وهي بحاجة إليها في مواجهة طالبان، ولكني أتصور أن إيران لا تستطيع أن تقدم إلا تعاوناً محدوداً.
إضافة إلى أن البرنامج النووي يشكل عقيدة قومية لا يمكن التفاوض حولها، أما التحدي الثالث فهو الوضع الأمني في أفغانستان في ضوء تصاعد نشاط طالبان، إذ تقوم الإستراتيجية الجديدة للادارة الأميركية على التفاوض مع المعتدلين في حركة طالبان وتقديم بعض التنازلات في مقابل تحييد طالبان وتفكيك ترابطها بالقاعدة قياساً على تجربة مجالس الصحوات العراقية.
وقد صرحت (كلينتون) وزيرة الخارجية الأميركية في مؤتمر أفغانستان في لاهاي بأنها تؤيد المصالحة مع عناصر طالبان الذين ينبذون العنف لفصل متطرفي القاعدة وطالبان عن أولئك الذين انضموا إلى صفوفهم بدافع اليأس وليس القناعة.
وقد ناقش المؤتمر مسألة إعادة اعمار أفغانستان والتنمية والأمن والاستقرار إلى هذا البلد الذي يعاني من تفاقم أعمال العنف بعد 7 سنوات من سقوط طالبان، وقد حصل توافق دولي على الاستراتيجية الأميركية الجديدة في أفغانستان.
وتعهد الأوروبيون بإرسال 5آلاف جندي إضافي إلى أفغانستان، ولكن الأسئلة المثارة في هذا الشأن: هل يمكن فرز المعتدلين عن المتشددين في حركة عقائدية؟ وهل يجرؤ المعتدلون على التفاوض دون أن يتعرضوا للتصفية؟ وهل تتخلى طالبان عن حليفتها القاعدة وهي التي رفضت تسليم زعيمها وضحت بالسلطة من أجله؟
إن الوقائع تشير إلى أن طالبان هي نفسها القاعدة بعد أن تماهتا وتصاهرتا واندمجتا وانصهرتا خلال محنة المنفى، أما التحدي الرابع فهو (التحدي الإرهابي) فبالرغم من أن أهداف الاستراتيجية للادارة الحالية قد تواضعت من الحرب على الارهاب كله إلى محاربة القاعدة فحسب باعتبارها مسؤولة عن اعتداءات 11 سبتمبر، فأصبح شعار الادارة الجديدة أن كل دولة تتحمل مسؤوليتها في مكافحة الإرهاب لديها، الأمر الذي جعل أوباما يطالب الأوروبيين بأن يتحملوا مسؤولية مكافحة الإرهاب لأنهم الاكثر تعرضاً للعمليات الارهابية، وبالرغم أيضاً أن أوباما حاول ترضية المسلمين وافتتح رئاسته بإطلاق سراح معتقلين مسلمين في (غوانتنامو).
ومنع المحاكمات العسكرية وخاطب المسلمين قبل غيرهم وأشاد بالدين الإسلامي والمسلمين لدرجة أن 11% من الأميركيين يعتقدون أن رئيسهم مسلم، ومد يد المصالحة للعالم الاسلامي وقبل الحوار مع المتشددين وتنازل لهم وحرص في زيارته لأوروبا أن يصافح الملك عبد الله وينحني أمامه احتراماً وتقديراً لمكانته في العالم الإسلامي كونه حامي الحرمين الشريفين، وزار مسجدين في اسطنبول والتقى بعلماء دين وطلاباً وقال: دعوني أقول وبأوضح صورة ممكنة، الولايات المتحدة ليست في حالة حرب مع الإسلام.
وأنا من عائلة فيها مسلمون، ولكن كل هذه الجهود الايجابية والنوايا الطيبة لم تشفع له عند الجماعات التي تتعاطى العنف وتعادي أميركا، بل شهدت الساحة ـ مؤخراً ـ تصاعداً في أعمال العنف والتفجير وكان لباكستان النصيب الأوفى منها حتى طالت بيوت الله وأودت بحياة المئات من الضحايا، وفي اليمن اشتد عود القاعدة.
وفككت السعودية مؤخراً خلية مرتبطة بالقاعدة والعراق شهد عودة السيارات المفخخة، أما أفغانستان فتصاعدت فيها عمليات طالبان ضد قوات التحالف وأعلنت واشنطن أن متبرعين أفراداً من دول خليجية يمولون مقاتلي طالبان، بل وحتى في القرن الأفريقي تجرأ القراصنة الصوماليون ولأول مرة في التعرض لسفينة شحن أميركية وأخذوا قبطانها رهينة، ووصل الأمر إلى تحدي (بيونج يانج ) للإدارة الأميركية بإطلاق صاروخها، ولم تستطع واشنطن الضغط على مجلس الأمن لاستصدار قرار بالإدانة!
دعونا نتساءل في ضوء إرخاء أميركا قبضتها ومحاولتها استرضاء المتشددين العقائديين بتقديم بعض التنازلات لهم في تطبيق الشريعة بحسب مفهومهم الضيق الماس بحقوق المرأة والحريات العامة، من منطلق أن ذلك شأنهم في مجتمعهم ماداموا لا يضرون المصالح الأميركية: هل تنجح رهانات أوباما في تغيير صورة أميركا في العالم الإسلامي؟ وهل ستكون المصالح الأميركية بمنجاة عن الأعمال الارهابية؟ وهل سيكف المتشددون عن إيذاء مجتمعاتهم؟
لا تبدو الظواهر مشجعة حتى الآن، فالمشكلة ليست في نوايا أو جهود الادارة الأميركية في تغيير سياساتها تجاه العالم الإسلامي ولا في استرضاء الجماعات العقائدية المسلحة ولكن المشكلة في تفكير تلك الجماعات وتفسيرها لطبيعة التغير الأميركي، هؤلاء يظنون أنفسهم في موقف أقوى وأنهم منصورون لأنهم أصحاب عقيدة إلاهية وأنهم على حق، ويرون في الموقف الأميركي الجديد موقف ضعف وفشل وتراجع.
ولذلك يستأسدون ويزدادون ضراوة وعنفاً، وهذا هو التفسير المنطقي لتصاعد عمليات العنف في المنطقة، وأخشى أن يجد الرئيس الأميركي نفسه ـ في النهاية ـ في طريق مسدود ولن يجد حينئذ أمامه خياراً آخر غير خيار الادارة السابقة وهو المواجهة الشاملة والتدخل العسكري والسياسي.
كاتب قطري