الأسماء جزء من هوية أي شعب وبلد، لذلك تحرص كل الشعوب على ترسيخ هويتها من خلال اختيار أسماء أبنائها، وتعمل على نشر هذه الأسماء عبر فنونها وآدابها، وتضمنها مناهجها الوطنية التي يتلقى من خلالها النشء ثقافتهم، ويكوّنون هويتهم، ويشكّلون وجدانهم، ويقدمون الصورة التي تعرفهم من خلالها الشعوب الأخرى فتحترمهم.

والإمارات ليست استثناءً من هذه البلدان ولا هي بدع بينها، لذلك عرفت الأجيال المتعاقبة أسماء أصبح مجرد ذكرها يدل على أن أصحابها ينتمون لهذه الأرض، دون إغفال مظاهر الهوية الأخرى التي من أهمها اللغة واللهجة والملابس والعادات والتقاليد والسلوك، صحيح أن هناك بعض الأسماء المشتركة بين بعض الشعوب، وأن هناك بعض الأسماء الحديثة التي دخلت على منظومة الأسماء المتداولة بيننا، لكنها أسماء ارتبطت بمراحل تاريخية محددة، كمرحلة المد الثوري العربي التي تأثر بها أهل الإمارات فأطلقوا على أبنائهم أسماء أبطالها حتى أصبحت هذه الأسماء رمزا لارتباطهم ببقية أنحاء الوطن العربي التي كانت تشهد حراكا وطنيا مع بداية النصف الثاني من القرن العشرين بغض النظر عن اختلاف الآراء الذي نشأ حولها والنتائج التي أدت إليها بعد ذلك.

هذه مسلمات تؤمن بها كل الشعوب ولسنا وحدنا، ومن شاء أن يستزيد فليقرأ كتاب «داغستان بلدي» للشاعر الداغستاني العظيم «رسول حمزاتوف» ليعرف كم هي مهمة هوية الوطن ورموزه وطينه وحجارته وحتى ترابه.

ولكن يبدو أن واضعي المناهج الدراسية لدينا لا يتفقون معنا كثيرا على ذلك، بدليل أنهم يختارون أسماء غريبة لم نسمع بها في مجتمع الإمارات لشخصيات الدروس التي يلقنونها أبناءنا في المراحل السنية الأولى من أعمارهم كي ترسخ في أذهانهم وتصبح واحدا من المكون الأساسي لهوياتهم وشخصياتهم، ففي الجزء الثاني من كتاب «معارف لغتي» الذي يُدرَّس لطلبة الصف الثالث من التعليم الأساسي هناك درس عن اتصال الكلمات بحروف الجر وحرف العطف (الواو) عنوانه (من مغامرات سميح الفصيح) هذا نصه:

(في درس عن العادات والتقاليد في دولة الإمارات، اتفق «سَميحٌ» مع معلمه أن يقوم بشرح بعض العادات والتقاليد الإماراتية المتبعة عند استقبال الضيوف كالترحيب بهم، وإكرامهم، وأن يحضر الصور والأدوات اللازمة للشرح وللتوضيح.

دخل «سَميحٌ» الصف وقد لبس ثوبا أبيض، ووضع على رأسه الغترة والعقال، وتعطر بالعود، ثم جلس في صدر المجلس ورحب بالضيوف الذين تقدموا للسلام عليه، وضيّفهم بالتمر والقهوة العربية، وبعد أن وضع الطعام دعاهم للأكل فأكلوا وشكروا «سَميحاً» ودعوا له بالصحة والسلامة).

انتهى الدرس وبقيت لدينا أسئلة نتمنى أن تجيبنا عليها اللجنة التخصصية لمناهج اللغة العربية واللجنة التي ألفت الكتاب، وهي:

إذا كان بطل القصة إماراتيا فمن أين أتى المؤلفون بهذا الاسم الذي لم نسمع به في طول الإمارات وعرضها، خاصة أنه ليس هناك ما يشير إلى أن هذا الصف في دولة أخرى غير الإمارات، وإذا كان الأمر كذلك فما هو الداعي له، أليس الأجدر أن يتم اختيار الصف والمدرسة من الإمارات؟

أما إذا كان بطل القصة «سَميحاً» ليس إماراتيا فما هو المبرر لأن يقوم طفل من جنسية أخرى بشرح العادات والتقاليد الإماراتية في مدرسة يفترض أنها في دولة الإمارات، لكون الكتاب يُدرَّس في مدارسها، وأين هم الطلبة الإماراتيون الذين من المفترض أن يكون لهم تمثيل ولو بسيط داخل الصف؟

يبقى احتمال وحيد ربما يكون هو الأقرب إلى المنطق، وهو أن يكون مؤلفو الكتاب قد قصدوا التعبير عن الخلل الموجود في تركيبتنا السكانية باختيارهم «سميحا» لشرح العادات والتقاليد الإماراتية المتبعة عند استقبال الضيوف فألبسوه غترة وعقالا وعطروه بالعود وأجلسوه في صدر المجلس ليؤدي الدور المطلوب منه، وهنا نوجه لهم التهنئة على هذه الطريقة الذكية في إيصال الرسالة التي أرادوا توجيهها.

ربما يعتقد البعض أننا نبالغ ونعطي الأمر أكثر مما يستحقه، لكن من يقرأ بقية دروس الكتاب نادرا ما يجد اسما من الأسماء الإماراتية المعروفة، فشخصيات بقية الدروس تحمل أسماء (هيفاء ونجيبة ولبيبة وليلى وعلاء) ولا نكاد نرى من الأسماء الإماراتية سوى (سيف وميرة ومريم).

قد يقول البعض إننا نبحث عن السلبيات ونضخمها على حساب الجهد الذي بذله مؤلفو الكتاب، وهذا غير صحيح لأننا نكن لهم كل الاحترام والتقدير ونقدر جهدهم ومثابرتهم، فهم من العناصر الوطنية المخلصة التي نعتز بها ونتمنى أن نرى الكثير منها في لجان تأليف كتب مناهجنا الوطنية، لكننا نرى أنه من واجبنا أن نوجه النظر إلى مثل هذه الأمور التي لا تقل أهمية عن انتهاج الأساليب الحديثة في التعليم، لأن النقطة السوداء في الثوب الأبيض تشد الأنظار إليها وتسترعي الانتباه أكثر من بياض الثوب نفسه أحيانا.

قبل أربعة عقود تقريبا كان الأطفال يعودون من المدارس إلى بيوتهم حاملين كتبهم وهم يرددون أمام آبائهم وأمهاتهم (مع حمد قلم). ورغم بساطة الجملة إلا أنها كانت تحمل قيمة وطنية ومعرفية كبيرة لا نعتقد أن أحدا يختلف عليها، فاسم (حمد) من الأسماء المتداولة بكثرة في مجتمع الإمارات قديما وحديثا، لذلك فهو يعبر عن بيئة الإمارات وهويتها ويحمل دلالة كبيرة لا تغيب عن فهم أحد لأنه يربط الطالب بمجتمعه والبيئة التي يعيش فيها، وكذلك القلم الذي هو أداة المعرفة ووسيلة التعبير التي حفظت العلوم والمعارف لجميع الأمم والشعوب عبر آلاف السنين.

تصوروا لو أن أبناء ذلك الجيل دخلوا على آبائهم وأمهاتهم وهم يرددون (مع سميح قلم) ماذا ستكون ردة فعلهم؟ ألن يسألوا: من هو «سميح» هذا الذي زاركم اليوم، ومن أي بلد هو؟

نحن لسنا مع التمسك بالقديم على حساب التطور الذي شمل جميع نواحي الحياة، ولكن ليس إلى الدرجة التي نتخلى فيها حتى عن الأسماء المعبرة عن هويتنا التي نحاول المحافظة عليها وسط طوفان التغريب الذي نعيشه والعولمة التي تكاد تقضي على البقية الباقية من خصوصيتنا.

كاتب إماراتي

aliobaid4000@yahoo.com