يعرف السياسيون المحترفون أن (لا صداقة دائمة، ولا عداوة دائمة) في منطق السياسة؛ ولذلك ليس من المستبعد أن تنقلب المواقف، وتتغير الأحوال، حسب الظروف، فيصير الأسود أبيض، ويصير الوقوف كالجلوس، ويصير العدو صديقاً، ويصح العكس؟. ؟ولا يعدم السياسيون من لغة ومصطلحات تبرر انقلاباتهم، وكأنها سياق طبيعي لسياساتهم. وفي ذلك حكمة، وأحيانا فائدة، عندما يُشخّص خطأ فيُتدارك، ويقود إلى مواقف أكثر ليونة ومرونة، وربما ينزع فتيل أزمة.
وفي هذه الأسابيع لمسنا من هذه المرونة والتقلبات أكثر من نموذج؛ منها موقف أوباما من إيران وأفغانستان، وموقفه من قضية الأرمن، وموقف تركيا من القضية نفسها، وموقفها من الدنمرك واعتراضها على تعيين راسموسن أمينا عاما لحلف شمال الأطلسي وتراجعها عن دوره في قضية الرسوم المسيئة للرسول، ورأينا تراجع برنار كوشنير، وزير خارجية فرنسا عن تأييده السابق لانضمام تركيا إلى الإتحاد الأوروبي، ومنها مساومات المصالحة في العراق، ولقاء كاسترو بوفد من الكونجرس الأميركي، ومنها ما تناقلته الصحف عن دعوة الرئيس مبارك نتنياهو لزيارة مصر، وهناك الكثير من المواقف التي تندرج في إطار (لا صداقة دائمة ولا عداوة دائمة) في منطق السياسة، فليس هناك عهد مقدس لا نكوص عنه ولا تجاوز عليه.
هذا الواقع المقبول سياسيا يفتح أكثر من نافذة؛ منها أنه يعطل قيام استراتيجية للعلاقات القائمة والمستقبلية مع الدول، نتيجة التذبذب الذي تفرضه الظروف؛ ومنها أن هذا المنطق يموّه واقع الأمور، ويستدعي لتبريرها مختلف التخريجات. وهو ما يحملنا على التأمل في طبيعة العلاقة مع الآخرين، والنظر إلى إمكانية أن تنقلب لسبب أو لآخر، وهو أمر ينبغي أن لا يحملنا على الثقة المطلقة بالوعود والمواثيق، والتمسك بحسن النية، فما يجري اليوم قد يتغير غداً.
وبقدر ما يتعلق الأمر بالعراق، نرى أن الاطمئنان الزائد إلى المواقف الأميركية لا يحسب لذلك حسابا يقتضيه الحال؛ سواء ما كان متعلقا بموضوع الصحوات، أو ما كان من أمر تسليم الملف الأمني للسلطات العراقية وما أثاره من تساؤلات بشأن إطلاق بعض السجناء المشكوك في ولائهم الوطني. وهو، بلا شك، مبني على المصلحة الأميركية أولاً، وخاضع للتوازنات التي تراها، وليس من المستبعد أن تخضع هذه التوازنات للمراجعة وإعادة التقييم وفق رؤية جديدة تراها أميركا، وفق نظرية (لا صداقة دائمة ولا عداوة دائمة).
لا علاقة لهذا التوقع بمنطق المؤامرة، فلست من المهووسين بها، ولكن صحة النظرية تشترط عدم إغفالها، والتحوط لما يمكن أن تستدعيه من مشكلات في ظل الفساد القائم، والتباطؤ في حل الإشكاليات السجالية التي تلهي المسئولين وتشغلهم عما وراء انشغالاتهم بالمحاصصة وتوزيع المناصب.
وفي ظل تشتت الرؤية، والانشغال بالمشاكل الفرعية، يتعذر الافتراض بكون هذه النظرية موضع نظر من الحكومة، والتحسب لما وراءها؛ ذلك لأن السياسيين العراقيين مشغولون بالهموم الآنية التي تمهّد للانتخابات القادمة التي تدفع كل ما سواها إلى الوراء.
يبدو لي أن هذه الأمور تستدعي تأسيس (مجلس استراتيجي) يُعنى بوضع إستراتيجيات واسعة وشاملة لمستقبل البلد، بناء على استقراء موضوعي دقيق لكل ما يجري وما يحيط بالوطن، بعيدا عن الحكومات التي تتغيّر، والظروف الآنية التي تتبدل. عندها تصبح نظرية الصداقة والعداوة موضع دراسة منهجية، وملامح واضحة، تُبنى على أساسها سياسة البلد، وتحسب بها المواقف وردود الأفعال. على أن يضمن الدستور حرية هذا المجلس وحصانته ونزاهته وبعده عن تيارات التغيير التي تصادف البلد بمختلف أشكالها.
كما يبدو لي أن على كل الكتل والأحزاب، والتيارات السياسية أن تدعم مقترح (المجلس الإستراتيجي) باعتباره حاجة وطنية ترصد متغيرات الوضع العام وتأثيره على الوضع العراقي، وضرورة الوقوف بحيث ينبغي أن يقف، لئلا تبقى ردود فعلنا ارتجالية وانفعالية وانتمائية إزاء ما يمر به الوطن.
(المجلس الإستراتيجي) الذي نقترحه، حاجة حيوية للخروج من مأزق المواقف الفردية والإنتمائية وما تفرضه الحالة الراهنة بوجوهها المختلفة، ذلك لكونه المرجع الأساسي لتحديد موقع القدم في السياسة الداخلية والخارجية.
كاتب عراقي