في مقابلة له مع صحيفة «السياسة» الكويتية تحدث سمو الشيخ حمدان بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء الإماراتي عن موضوع غاية في الأهمية وشديد الخطورة في ذات الوقت وهو موضوع الجزر الإماراتية الثلاث المحتلة من قبل إيران، حيث ذكر بأن الإيرانيين غير جادين في بحث قضية الجزر المحتلة ويريدون أن يؤكدوا للعالم بأن الجزر إيرانية وليست إماراتية.

هذا التصريح غاية في الأهمية لأنه يصدر من شخص رفيع المستوى في دولة الإمارات وشخص كانت وما زالت بصماته على الدبلوماسية الإماراتية واضحة حيث كان وما زال في بعض الحالات المضطلع بالعديد من قضايا الشؤون الخارجية لدولة الإمارات ولاسيما تلك المتعلقة بالخلافات الحدودية مع الدول المجاورة بما فيها ملف الجزر الإماراتية الثلاث المحتلة من قبل إيران.

وفي ذات الوقت فإن هذا التصريح خطير لأنه يوضح وبكل صراحة وعلى لسان شخص عايش مسلسل التواصل مع المسؤولين الإيرانيين حول ملف الجزر بأن إيران غير راغبة في التعاون مع الإمارات في حل مسألة الجزر بالطرق السلمية التي تدعو لها أبوظبي.

هذه النتيجة التي توصل إليها سمو الشيخ حمدان بن زايد حول تعامل إيران مع الإمارات في قضية الجزر الثلاث المحتلة يأخذنا إلى موضوع الدبلوماسية الإماراتية ومدى نجاحها في تحقيق هدف استرجاع الجزر الثلاث المحتلة من قبل إيران. المعلوم أن موضوع الجزر لم يتم تسويته بعد؛ ولكن الحقيقة هي أن مسألة الجزر مسألة معقدة وتحكمها اعتبارات داخلية وأخرى خارجية تجعل مهمة عدم تحقيق ذلك الهدف لا يقع على عاتق الدبلوماسية الإماراتية لوحدها.

فالدبلوماسية الإماراتية كانت دوماً دبلوماسية نشطة في مجال ملف الجزر حيث نجحت في جعل هذا الملف ملفاً حياً من خلال التطرق إليه في مختلف المحافل الإقليمية والدولية، ونجحت كذلك في تعزيز موقفها بالحصول على مزيد من الدعم السياسي لأسلوبها في التعامل مع ملف الجزر المحتلة وكسب مزيد من الاعترافات بأحقية الإمارات في الجزر المحتلة.

لقد وضعت الإمارات موضوع استعادة جزرها المحتلة بالطرق السلمية نصب عينها ولا يوجد أمامها غير هذا الخيار العقلاني، إلا أن السير في هذا المجال يتطلب دبلوماسية أكثر نشاطاً وحراكاً، بمعنى أن الدبلوماسية الإماراتية الحالية بحاجة إلى تعزيز أكبر وفقاً لرؤية دبلوماسية لا تشتمل فقط على نهج جمع التأييد العالمي لسياسة دولة الإمارات في ضرورة حل الخلاف سلمياً مع إيران بل أيضاً بالبحث عن كل السبل القانونية الإقليمية والدولية التي من شأنها أن تفتح المجال أمام دولة الإمارات للتطرق إلى حل قضيتها مع إيران عبر السبل القانونية.

هناك من الخبراء ورجال القانون الدولي الذين يمكن لهم أن ينبشوا مواد القانون الدولي ويجدوا نافذة ما يمكن أن تعمل من خلالها الدبلوماسية الإماراتية في المرحلة المقبلة مع ملف جزرها المحتلة من قبل إيران طالما أن إيران غير راغبة في التعامل مع المسعى الإماراتي الحالي.

صحيح أنه ستكون هناك العديد من المصاعب التي يمكن أن تعتري طريق الإمارات في هذا المنحى إلا أنه من المفترض أن تتولى الدبلوماسية الإماراتية مسؤولية تذليل مثل تلك المصاعب وإزاحتها. فأبواب الأمم المتحدة مثلاً يمكن فتحها أمام موضوع الجزر الإماراتية من خلال عرض الموضوع على الجمعية العامة للأمم المتحدة أو حتى أمام مجلس الأمن.

فالجمعية العامة تستطيع أن تطلب من محكمة العدل الدولية التابعة للأمم المتحدة أن تعطي وجهة نظرها حول مثلاً الاختراقات التي تقوم بها إيران لتفاهماتها القانونية القائمة مع دولة الإمارات فيما يتعلق بالجزر ومدى قانونية ما تقوم به إيران في جزيرة أبو موسى على سبيل المثال.

مثل هذه النظرة القانونية ستشكل دعماً للموقف الإماراتي وأداة ضغط على إيران كي تتعاون مع الإمارات في ملف الجزر وتوقف انتهاكاتها المتكررة للالتزامات القائمة بينها وبين الإمارات.

ويمكن لمجلس الأمن أن ينظر في الموضوع باعتبار أن مهمة المجلس هي النظر فيما يمكن أن يهدد الأمن والاستقرار الدوليين، حيث يمكن لدولة عضو في مجلس الأمن أو منظمة دولية متخصصة كالمنظمة البحرية الدولية أن تعرض الموضوع للنقاش في اجتماعات مجلس الأمن ويمكن بالتالي للمجلس أن يعرض موضوع الجزر على المحكمة الدولية لإصدار وجهة نظرها القانونية في مسألة الجزر. هذا المسار وإن كان صعباً إلا أنه ليس مستحيلاً إذا ما نشطت الدبلوماسية الإماراتية ووضعت نصب عينها مثل هذه الإستراتيجية.

هذا المسار ليس فيه عداء لإيران لأننا لا نتحدث في دبلوماسيتنا إلا عن السبل السياسية لتسوية خلافات جزرنا مع إيران، وأن هذا المسار لم يأت إلا كردة فعل لعدم رغبة إيران في التعاون مع الإمارات حول ملف الجزر.

فالحقيقة التي يجب أن ندركها هي أن كل يوم يمر والجزر الإماراتية لا تزال تحت نير الاحتلال هو مكسب لإيران التي تتعزز لديها القناعة أكثر وأكثر بادعاءاتها بأن الجزر الثلاث هي جزر إيرانية وليست إماراتية، الأمر الذي يعقد الوضع بشكل متزايد على الإمارات في هذا المجال، وبالتالي فإن الدبلوماسية الإماراتية أصبحت اليوم بحاجة إلى استراتيجية دبلوماسية أكثر نشاطاً في التعامل مع ملف الجزر المحتلة.

جامعة الإمارات

binhuwaidin@hotmail.com