على وقع صيحات الاحتجاجات الشعبية الأوروبية على سياسات «حلف الناتو» التوسعية والعسكرية خارج أوروبا من جانب عشرات الآلاف من المتظاهرين المعارضين فى كل من فرنسا وألمانيا، ومع تعدد المطالبة بعودة الحلف إلى الحدود الأوروبية فقط مثلما كان من قبل، ومع تردد صدى الاختلافات فى الرؤى بين الأميركان والأوروبيين حول مأزق الحلف في المسألة الأفغانية، وبالتحديد حول وسائل مواجهة ما أسموه خطأ ب«الإرهاب الإسلامي»..
اختتمت قمة الأطلسي إجتماعاتها فى «ستراسبورج» بعدة توجهات جديدة بعضها لايدعو للتفاؤل للعالم الإسلامي أولها تعيين «رئيس الوزراء الدانمركي راسموسين» سكرتيرا عاما للحلف، بميراثه غير الإيجابي مع المسلمين بسبب دفاعه السخيف عن الرسوم الكاريكاتورية الساقطة وعن «حرية التطاول» على نبي الإسلام عليه الصلاة والسلام فى صحافة بلاده باسم «حرية التعبير»، وغطرسته برفض الاعتذار، بما لايفيد كثيرا أن يتكلم في تركيا عن التوفيق بين احترام الأديان وحرية التعبير!!
وثانيها، مايتعلق بتمرير الخطة الأميركية بزيادة عدد قوات الحلف المحتلة لأفغانستان، رغم رفض فرنسا إرسال قوات إضافية، في محاولة لتجاوز النكسات التي مني بها الحلف في السنوات الأخيرة تحت عنوان السعي لتحقيق انتصار على «الإرهاب الإسلامي» هناك، مما يعني أن الإدارة الأميركية الجديدة لم تتخل بعد عن بعض مصطلحات بوش القديمة والمرفوضة التى أثارت استياء العالم الإسلامي «مثل الإسلام الفاشي» في أفغانستان و«الحرب الصليبية» على العراق.
وكانت قمة حلف «الناتو» في «إستامبول» قد اتجهت بالحلف تحت لافتة «الشراكة» إلى عملية تمدد استراتيجي للناتو نحو الشرق.. فبعد التوسع في أوروبا الشرقية سعى الحلف إلى ما يسمي شراكة مع دول «الشرق الأوسط» و«الخليج العربي» في مجالات الأمن والدفاع لمواجهة «الإرهاب»، برغم الخلاف بين الجانبين حول مفهوم الإرهاب، خصوصا وأن التعريف الغربى لايفرق بين حق الشعوب في مقاومة الاحتلال الأجنبي طبقا لميثاق الأمم المتحدة، والإرهاب العدوانى العشوائى الذى يقتل المسالمين الأبرياء بغير ذنب والمخالف لشرائع الأديان وللقوانين الوضعية.
وإذ يمثل الشرق العربي الإسلامي الذى يطلقون عليه في الغرب اسم «الشرق الأوسط» بضفتيه المتوسطية والخليجية أهمية استراتيجية بالغة، أغرت الغرب في الماضي مع ضعف الشرق باستعمار هذه المنطقة باحتلال عسكرى سافر، لكنه بعد انسحابه الرسمى من الباب بعد الاستقلال، يحاول العودة اليوم من الشباك بصيغ مختلفة، مستغلا واقع التجزئة وحالة التوترات البينية الإقليمية والفراغ العربي، بهدف ضمان استمرار وجوده تأمينا لمصالحه الاستراتيجية ولأمن إسرائيل على حساب أمن العرب والمسلمين.
فليس سرا أيضا أن حشد الأساطيل الأطلسية والمناورات الغربية البحرية الضخمة التى جرت في الخليج العربي لها علاقة بهذه التوترات البينية بين دوله واستغلالا لها كذريعة للتواجد العسكرى في الخليج تطبيقا لتوجهات الحلف في التمدد شرقا وجنوبا..
وليس سرا أيضا، أن حشد الأساطيل الأطلسية في البحر المتوسط قبالة لبنان وسوريا، والبحر الأحمر قبالة السودان والصومال ليس هدفه الرئيسي مراقبة تهريب السلاح لحماس أو لحزب الله، أو مكافحة القرصنة، بقدر كونه تطبيقا أوليا لاستراتيجية الحلف للتوسع شرقا خارج أوروبا، ولحماية إسرائيل من المقاومة العربية «الإرهاب»، ولتهديد بعض دول المنطقة.. ليبقى المطلوب حاليا هو سد الفراغ بمنظومة أمن إقليمية عربية إسلامية.