الأسوأ من بقاء الخلافات بين الدول العربية هو ان تتحول «المصالحة العربية» إلى هدف في حد ذاته! وأن نستنزف الجهد العربي في إقناع الزعماء بأن الصلح خير، وأن تجتمع الدول العربية في أعلى مستوياتها فيكون إنجازها الأكبر خطوة على طريق المصالحة بين هذا القطر العربي وقطر شقيق له، بينما تبقى التحديات الحقيقية التي تواجه الأمة في ذل جدول الأعمال تنتظر استكمال المصالحات بين كل الحكومات وكل الزعماء.

وهو أمر ـ على الأقل ـ بعيد الاحتمال، وكان من الممكن ألا يكون ضرورياً اذا كنا نعرف كيف نختلف وكيف نتفق وكيف يكون هدفنا على الدوام هو البحث عن نقاط الاتفاق وتوسيعها لتكون القاعدة التي يقوم عليها العمل العربي المشترك، فلا تغلق الحدود لأن خلافاً طارئاً نشب بين اثنين من المسؤولين في دولتين شقيقتين، ولا تتعطل الاتفاقيات بسبب تصريح هنا لم يعجب الطرف الآخر ولا تحدث القطيعة بقرار شخصي.

ويعود الوئام بقرار شخصي أيضاً، ودون ان نتمكن حتى الآن من إبقاء الجهد العربي المشترك يمضي في طريقه وفقاً لما هو مخطط له بصرف النظر عن الخلافات الطارئة التي قد تنشب بين أطراف عربية والتي ينبغي ان يتم حلها بالحوار الدائم والرغبة الحقيقية في التواصل وليس بالقطيعة والخصام.

نعم.. المصالحة العربية مطلوبة وضرورية للخروج من الوضع الكارثي الذي تعيشه الأمة العربية. ولكن هذا لا يعني ان ينتهي الأمر بالمصافحة أو العناق أو التقاط الصور التذكارية ثم يمضي كل طرف إلى طريقه ولا يعني الإقرار بأن غاية المنى هو ان نتوصل إلى طريقة لإدارة الخلافات حتى لو أدى ذلك إلى غياب العمل المشترك الحقيقي، المصالحة ينبغي ان تكون نقطة بداية للتوصل إلى الرؤية المشتركة المطلوبة حول قضايانا الأساسية، وللتوصل أيضاً إلى برنامج للعمل لتنفيذ هذه الرؤية تتوزع فيه الأدوار وتختلف المهام ولكن في إطار الاستراتيجية المشتركة.

بالطبع تبقى نقاط للاختلاف يستمر الحوار حولها من أجل الوصول إلى ما يتفق عليه الجميع، وهو ما يعني أننا لا يمكن ان نتحدث عن عمل عربي مشترك وفقاً لاستراتيجيتين مختلفتين، بل باستراتيجية واحدة، وإلا أصبح الحديث عن العمل المشترك مجرد أوهام تنتهي إلى أحد أمرين: جمود العمل المشترك أو الانقسام الذي رأينا أوضح صوره قبل شهور، وما زال رغم كل أحاديث المصالحة ـ يفرض نفسه على الواقع العربي!

ولاشك ان جهود المصالحة العربية ينبغي ان تتواصل وان تتدعم، ولكن المهم أن يكون الأساس فيها أنها ليست نهاية الطريق، بل هي البداية لبناء الموقف العربي القادر على التعامل مع التحديات ووقف الانهيار والتراجع الذي تلازم مع الانقسام العربي وحروب الاشقاء التي أصابت كل الأطراف العربية بأفدح الأضرار، والتي جعلت من العرب الغائب الأكبر في تقرير مصير المنطقة الذي أصبح يتحدد على موائد مفاوضات بين أقطاب عالمية وقوى إقليمية بينما العرب يكتفون بدفع فواتير الحرب وفواتير الاتفاقات!

إننا الآن أمام شهور حاسمة في تقرير مصير العديد من القضايا الخاصة بنا.. ونحن أمام موقف جديد لإدارة أميركية جديدة تعلن قطيعتها مع سياسة الرئيس السابق بوش بكل حماقتها وعنصريتها وانحيازها ضد العرب والمسلمين.

وبدون إفراط في التفاؤل ولكننا أمام إدارة جديدة يعلن رئيسها أوباما أن بلاده ليست في حالة حرب مع الإسلام والمسلمين، ويفتح الباب للتفاوض مع إيران حول ملفها النووي ويمضي في الانسحاب من العراق، ويؤكد المضي في محاولة تسوية النزاع العربي ـ الإسرائيلي ويعلن التمسك بحل الدولتين ويدخل في خلاف علني مع حكومة نتانياهو ـ ليبرمان التي تحاول التنصل من اتفاقاتها السابقة وترفض أي حديث عن «الدولة الفلسطينية» .

وتمضي في برنامج تهويد القدس والاستيلاء على الضفة وتكثيف الاستيطان، وتعلن على لسان وزير خارجيتها أن عملية السلام قد انتهت! كيف سنتعامل مع هذه القضايا؟ هل سنكتفي بأحاديث المصالحة أم تكون هذه المصالحة طريقاً لامتلاك استراتيجية عربية للتعامل مع هذه القضايا والخروج من حالة الغياب التي طالت، وبلورة رؤية موحدة تستفيد من الظروف الجديدة بدلاً من ان تكون ضحيتها؟!

الحكومة الإسرائيلية قد تكون أخطر الحكومات اليمينية ولكنها الأضعف بسبب سياستها العنصرية التي تتصادم مع حلفائها في أميركا وأوروبا. فهل سنترك الانقسام الفلسطيني يفتح لها أبواب النجاة؟ وهل سنترك الخلافات العربية تعطيها الفرصة للتلاعب بمسارات التفاوض مع هذا الطرف أو ذاك؟ أم سيكون هناك موقف موحد يفرض على الأشقاء الفلسطينيين الوحدة، ويلزم الأطراف العربية باستراتيجية واحدة في التعامل مع هذه الحكومة الفاشية، ويسعى لتعميق الصدام بينها وبين الرأي العام العالمي؟

والموقف في العراق كيف نواجهه بما يحفظ للعراق وجهه العربي؟ وهل لدينا رؤية لمواجهة تطورات الموقف إذا ما تم التوافق بين واشنطن وطهران، أو إذا خرجت إسرائيل على النص وفجرت الموقف ب«العمل المتهور» ضد إيران كما وصفه نائب الرئيس الأميركي؟

لقد تحدثنا كثيراً عن المصالحة، وسوف يتواصل حديثنا مع استمرار الجهد المطلوب على هذا الطريق، ولكننا بحاجة أكثر إلى التوافق حول برنامج للمواجهة نتعامل من خلاله مع التحديات ونضع كل الإمكانيات العربية في خدمته، برنامج ينطلق من إيمان صادق بأنه في غياب العمل المشترك فإن كل العرب خاسرون، وأن المعنى الحقيقي للمصالحة أن تكون طريقاً للمواجهة وإعلان الطلاق الرسمي مع الحالة الغياب العربي التي طالت وقادتنا إلى ما نحن فيه!

كاتب صحافي مصري

elsadattt@hotmail.com