عودة القرصنة الصومالية إلى صيد السفن الكبيرة، تذكير صارخ بأن المشكلة مازالت قائمة. بل مرشحة للمزيد من التفاقم. مع كل ما ينطوي عليه ذلك من تهديد لخطوط الملاحة البحرية؛ في أشدّ مسارحها حساسية.
بدا لفترة أن هناك انكفاءً، أو تراجعاً في عملياتها. فجأة تستأنفها وبصورة تدل على تطور وتوسّع في إمكاناتها وقدراتها؛ كما على إصرار لتحويل القرصنة إلى مهنة أمر واقع، في تلك المنطقة. ما بدأ بحفنة من القراصنة، يكاد يصبح جيشاً. وما كان محاولات سلب محدودة، باتت أشبه بمؤسسة. ظاهرة تنامت وكبرت، بقدر ما كانت الحروب الأهلية الصومالية تتناسل عن بعضها وتمعن في تذويب الدولة وكافة محاولات إحياء مؤسساتها.
طلع هذا الخطر على السطح منذ نيّف وعام. سفن تجارية، من جنسيات مختلفة، راحت تقع في شباكه؛ الواحدة بعد الأخرى. الردود على هذا الطارئ، تأخرت وجاءت مرتبكة؛ في غالب الأحيان. وفي أحيان كثيرة رضخت لطلب دفع الفدية. قوى عود القراصنة. غلّة صيدهم الدسم بلغت، وفق بعض التقديرات، حوالي مئة مليون دولار.
روسيا وأميركا والهند ودول أوروبية والصين، ثم أخيراً اليابان؛ حشدت بوارجها قبالة الشواطئ الصومالية وفي خليج عدن، لقطع دابر القرصنة. غيّر هؤلاء من تكتيكاتهم. بدلاً من صيد الشواطئ، نقلوا الميدان إلى العمق. وبدلاً من المراكب التجارية العادية، صارت أهدافهم حاملات النفط؛ وقبل أيام باخرة شحن ضخمة.
القدرة على المناورة واختراق كل هذا الحشد البحري، تشير إلى أمرين. الأول، وجود موارد وخبرات ومرونة كافية؛ لدى غزاة البحر الجدد. صار بإمكانهم الدخول في عمق مئات الكيلومترات، في مياه المحيط، بحثاً عن أهدافهم واقتيادها إلى مرافئ خاصة بهم لتبدأ من هناك مفاوضات الفدية.
الأمر الثاني والأهم، هو أن ما لم يتم تجفيف منابع القرصنة على اليابسة؛ فمن الصعوبة بمكان، إن لم يكن من الاستحالة؛ قطع خطوطها البحرية بالكامل. الوضع الصومالي المعروف، كان منذ انهيار الدولة، أرضاً خصبة لتفريخ كافة أصناف التسيّب والفلتان. عبثية الصراعات الدموية الداخلية، استنزفت البلد. فرّخت دويلات، على الساحة.
لها سلاحها وتخومها وغزواتها. محاولات تركيب حكومة، لتبدأ في لملمة أشلاء البلد؛ فشلت مراراً وتكراراً. في يناير الماضي، تمّ انتخاب رئيس جديد للصومال. ثمة حالة من التوافق، تحققت حوله. حتى لا يتكرر السيناريو، مطلوب ليس حماية هذا التوافق فحسب؛ بل أيضاً تطويره؛ وبما يؤدّي إلى تمكين الوضع الجديد من المضي بمسيرة بناء السلطة ومؤسساتها. وهذه مسؤولية دولية وعربية. من هذا المدخل يكون التصدّي للقرصنة لتجفيفها وليس من مدخل البوارج.
