بالرغم من أنه لم تمض سوى عدة أيام على تولي حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي الجديد بنيامين نتانياهو الحكم في إسرائيل، الا انه اصبحت هناك قناعة واسعة الانتشار لدى الكثيرين، وحتى بين قوى إسرائيلية، وبين أصدقاء إسرائيل أنفسهم، بأن الحكومة الإسرائيلية الجديدة تبدد الأمل في إمكان التوصل إلى تسوية سلمية في الشرق الاوسط على أساس إقامة دولة فلسطينية مستقلة وقادرة على الحياة إلى جانب إسرائيل من ناحية، وعلى أساس الانسحاب من الجولان والأراضي اللبنانية المحتلة عام 1967 من ناحية ثانية، ان لم تكن قد قطعت الطريق أو تكاد بالفعل.

وبالرغم من أن رئيس الوزراء الإسرائيلي الجديد حاول التقليل من انزعاج العالم من تصريحاته وتصريحات وزير خارجيته افيجدور ليبرمان التي جعلت احتمالات السلام أبعد بكثير مما كانت عليه، وذلك بالتأكيد على أن حكومته سوف تحدد اجندتها للسلام خلال اسبوعين تقريبا، الا ان ما هو معروف من مواقف لكل من نتانياهو وليبرمان يجعل من غير الممكن ان يثق العالم في أية محاولات لتجميل وجه الحكومة الجديدة التي رفض وزير خارجيتها مقررات انابوليس التي أكدت على مبدأ إقامة الدولتين كسبيل للسلام بين إسرائيل والفلسطينيين، وعلى تناول قضايا الحل النهائي دون تأخير.

وحتى إذا افترضنا جدلا ان حكومة نتانياهو تناور بشكل أو بآخر في هذه المرحلة، الا ان اعتراف حزب كاديما برئاسة وزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة تسيبي ليفني بأن تصريحات ليبرمان اضرت بإسرائيل، ومناشدة كثيرين من أصدقاء إسرائيل لنتانياهو باعطاء السلام فرصة والحفاظ على مبدأ اقامة دولتين ووقف الاستيطان الإسرائيلي يشير بوضوح إلى أن هناك ادراكا متزايدا على المستوى العالمي لحقيقة ان السلام في الشرق الأوسط لايمكن تحقيقه الا بقيام دولة فلسطينية مستقلة إلى جانب إسرائيل، وهو ما تزداد القناعة به داخل إسرائيل. وقد أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق ايهود أولمرت على ذلك قبيل مغادرته منصبه، واصفا ذلك بأنه الحقيقة المرة من وجهة نظره.

على أية حال فإنه من الأهمية بمكان الاشارة إلى ان الانزعاج بسبب التصريحات الإسرائيلية امتد حتى إلى المسؤولين في الحكومة الأمريكية ذاتها. صحيح ان واشنطن آثرت الا تنتقد الحكومة الإسرائيلية الجديدة فور قيامها بالنسبة لعملية السلام والموقف منها، ولكن الصحيح أيضا ان الرئيس الاميركي باراك أوباما أكد وعلى نحو واضح، وأكثر من مرة ان بلاده ستواصل جهودها لتحقيق السلام في الشرق الأوسط على أساس الدولتين، إسرائيل وفلسطين، وانها ستعمل مع حكومة نتانياهو للوصول إلى ذلك، وهو موقف ينطوي على كثير من الدلالات، خاصة في ظل طبيعة العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، والمدى الذي يمكن ان تصل إليه واشنطن في ممارسة تأثيرها وربما ضغوطها على الحكومة الإسرائيلية.

من جانب آخر فإنه من المهم والضروري الاشارة إلى حقيقة أخرى هي ان السلام والاستقرار في الشرق الأوسط وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة هو في الواقع في صالح إسرائيل، ربما اكثر من أي طرف عربي آخر، ليس فقط لأن الأراضي العربية التي تحتلها إسرائيل لايمكن ان تحقق لها الأمن، فضلا عن ان معادلة القوة في المنطقة لن تستمر في صالح إسرائيل إلى الأبد، ولكن ايضا لأن السلام القائم على العدل هو وحده القادر على إخراج المنطقة من اتون الصراعات والحروب التي تعيش فيه منذ نحو ستين عاما.

واذا كان العرب قد طرحوا المبادرة العربية للسلام منذ عام 2002 فإن الكرة هي بالفعل في الملعب الإسرائيلي خاصة وان المبادرة العربية لن تستمر طويلا على الطاولة. فهل تختار إسرائيل السلام أم ستمضي في قطع الطريق عليه؟