ليس غريباً على واشنطن ما تفعله مع حلفائها الصغار حين تورطهم في مشاكل أكبر من حجمهم وإمكانياتهم وتتركهم بعد ذلك في مواجهة شعوبهم وجيرانهم، وما أكثر الأمثلة على الأنظمة التي أعطتها واشنطن الوعود، وحتى عقدت معها الاتفاقات، ثم تراجعت عن وعودها وتخلت عن اتفاقاتها، آخر هذه الأمثلة من الأنظمة النادمة بولندا وتشيكيا .

حيث وجد نظام الحكم في بولندا نفسه في ورطة كبيرة، ليس فقط مع روسيا التي ناصبتها بولندا العداء طيلة السنوات الخمس الماضية بسبب قضية نشر منظومة الدرع الصاروخية الأميركية على أراضيها بالقرب من الحدود الروسية ، بل أيضا وجدت بولندا نفسها في موقف لا تحسد عليه أمام شركائها الأوروبيين في الاتحاد الأوروبي.

حيث استخدمت بولندا أكثر من مرة حق الفيتو داخل الاتحاد الأوروبي معترضة على تجديد اتفاق الأمن والتعاون المشترك مع روسيا، وشنت بولندا حملة قوية داخل الاتحاد ضد روسيا متهمة إياها باتهامات عدائية.

خاصة بعد الحرب في القوقاز في أغسطس الماضي، وبدا واضحا للجميع أن بولندا تنفذ أجندة أميركية، ولكن بعد أن ذهبت إدارة الرئيس بوش التي وقعت مع بولندا في العشرين من أغسطس 2008 اتفاقية تتيح للولايات المتحدة نشر 10 صواريخ اعتراضية في إطار المنظومة المذكورة على أراضي بولندا.

على الرغم من معارضة روسيا، جاءت إدارة الرئيس أوباما فأرجأت مشروع الدرع الصاروخي لأجل غير مسمى، مما وضع النظام الحاكم في بولندا في موقف محرج للغاية، وذكر وزير الخارجية البولندي رادوسلاف سيكورسكي أن بلاده دخلت في مجازفة سياسية بالتعهد مع إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش بشأن نشر عناصر من المنظومة الأميركية للدفاع المضاد للصواريخ على الأراضي البولندية، وأبدى سيكورسكي تشككا في الثقة التي منحت للإدارة الأميركية بقيادة باراك أوباما التي أعلنت أنها ستعيد بحث مشروع منظومة الدرع الصاروخية للتحقق من كلفته وفاعليته.

وقال سيكورسكي خلال نقاش جرى في بروكسل الأسبوع الماضي حول مستقبل الحلف الأطلسي: «آمل ألا نأسف على الثقة التي وضعناها في الولايات المتحدة. لقد أخذت بولندا مجازفة سياسية بالتعهد مع الإدارة السابقة».

كما وقعت الولايات المتحدة مع تشيكيا في الثامن من شهر يوليو من العام الماضي اتفاقية بشأن نشر رادار تابع للمنظومة الأمريكية على الأراضي التشيكية، وكان الرئيس الروسي دميتري ميدفيديف قد أعلن في رسالته التي وجهها إلى البرلمان الفيدرالي الروسي في الخامس من شهر نوفمبر 2008، أن روسيا ستنشر في حال الضرورة منظومات صواريخ «اسكندر» في مقاطعة كالينينغراد لتحييد عناصر المنظومة الأمريكية المضادة للصواريخ في أوروبا.

وأكد أن هذا الإجراء سيكون أحد التدابير التي تتخذها روسيا ردا على نشر عناصر المنظومة الأمريكية في تشيكيا وبولندا، وكان مقررا أن يصوت البرلمان التشيكي خلال مارس الجاري على الاتفاقية المذكورة، وكان من المتوقع أن يرفض البرلمان التصديق على الاتفاقية، ولكن النظام الحاكم في تشيكيا استبق الأحداث وقرر سحب الاتفاقية وإيقاف العمل بها، ولم يكن قرار الحكومة التشيكية هذا خوفا من رفض البرلمان التصديق، ولكن لأن الحكومة التشيكية استوعبت الموقف الأمريكي الجديد الذي أبدت إدارة أوباما فيه نيتها التراجع عن المضي في المشروع، لهذا اتخذت الحكومة التشيكية في 17 مارس الجاري قرارها بتأجيل التصويت في البرلمان على الاتفاقية .

هذا هو مصير الأنظمة الحاكمة في الدول الصغيرة التي تمنح ثقتها الكاملة لأي إدارة في البيت الأبيض، تجد نفسها فجأة في ورطة كبيرة مع شعوبها وجيرانها عندما تتخلى واشنطن عنها، ولعل درس بولندا وتشيكيا يكون مفيدا للآخرين، وخاصة نظامي الرئيسين ساكاشفيلي في جورجيا ويوشينكو في أوكرانيا اللذين ورطا بلديهما في مشاكل لا طاقة لهما بها بسبب تصديقهما للوعود الأميركية.

كاتب ومحلل سياسي أوكراني

vladi1949@mail