تجول في أجواء الساحة السياسية الإقليمية سيناريوهات متعددة وانعكاساتها المختلفة لاستراتيجية إدارة الرئيس اوباما في المنطقة، وهي بتر القاعدة (الإرهاب) وتحجيم الخطر النووي الإيراني وعدم السماح لروسيا بكسر قبضتها (أميركا) على منابع النفط في وحول الخليج العربي وأخيراً ضمان السلام والاستقرار لإسرائيل، وتشكل هذه الأهداف برنامجاً ثقيلاً على عاتق الدبلوماسية الأميركية مما يتطلب عزل إسرائيل المباشر وعدم تدخلها في التحركات الدبلوماسية الأميركية كشرط لتحقيق وإنجاح الأهداف الاستراتيجية لحكومة أوباما، سنستعرض لبعض الجوانب المؤدية لعزلة إسرائيل تحت هذا السيناريو، ومن جهة أخرى سنتطرق إلى تأثير هذه التغيرات على جانبنا من الخليج العربي.

الجميع يعلم أن إسرائيل وأميركا وجهتان لعملة واحدة وهذه العملة تصك في الولايات المتحدة، ماذا سيحدث إذا قررت الولايات المتحدة بصك عملتها دون الجانب الإسرائيلي؟ إن العمق الاستراتيجي للولايات المتحدة في المنطقة هو النفط وإسرائيل، وهذا معناه وجود خيارين أمام أميركا، فإذا ما كان هناك سيناريو أو أكثر يدعو للخيار بين هذين الخيارين فالجوانب بلا شك هو النفط وكذلك يحبذ عزلها لارتباطها في أعين المنطقة بإرهاب الدولة، طبعاً هذا ليس معناه التخلي عن إسرائيل، وهكذا ستصبح في مستوى استراتيجي اقل أهمية مما يعطي أميركا مجالاً أوسع للتحرك في المنطقة (عزل استراتيجي).

كتب برنارد أفيشاي (2008) وقد خدم في الجيش الإسرائيلي (حرب 1967) أن الصراع القائم داخل إسرائيل سواء في الحرب أو السلام بحد ذاته محبط لأنه يدور حول ما هي تركيبة إسرائيل كدولة، وفي اعتقاده أن الشجار القائم حول قطعة أرض هنا أو هناك يذلل من طاقتها الفكرية والصناعية التي يجب أن تكون جزءاً من العولمة والاقتصاد العالمي، وهى دائماً تنظر أن الخطر المحيط بها قادم من غزة أو إيران ولكن الواقع هم سكان إسرائيل العرب الذين يشكلون 20% وفي تكاثر ولا يستبعد أن تكون الانتفاضة القادمة من داخل إسرائيل (عزل داخلي).

إن ما يلفت النظر بأن هناك بداية انشقاق إستراتيجي في العلاقات الأميركية، حيث تسرب من الجيش الأميركي مؤخراً بأن إسرائيل لديها قنابل ذرية، عجيب الكل يعلم ذلك!

ما معنى وضعه في ورقة وتمريره للإعلام ؟ والجدير بالذكر قيام السفير تشارلز فريمان بسحب ترشيحه لمنصب مدير المجلس الوطني للاستخبارات بعد مشادة مع ليبرمان وأمثاله حول إسرائيل والنفط، وقوبل هذا باستياء كبير في الأوساط الاستخباراتية الأميركية والمستشرقين الأميركان، وهؤلاء المستشرقين عندما يتحدثون معنا عن اللوبي الإسرائيلي يصفونه كجزء من آلية الحكم الأميركي التي تخضع قراراتها للضغوط السياسية الداخلية، ويتساءلون أين ذلك اللوبي العربي الذي يستطيع أن يلعب اللعبة السياسية الأميركية ويوازن اللوبي الإسرائيلي؟

كتب جعفر العطار ( البيان ـ 19 /3/ 2009) يعتبر البعض أن إسرائيل أصبحت تشكل عبئاً على الولايات المتحدة وتحرج الدول الأوروبية التي ترفع شعار الدفاع عن حقوق الإنسان، كما يتساءل كثيرون في الولايات المتحدة عن استمرار المساعدات الأميركية لإسرائيل في ظل الأزمة الاقتصادية .. وفي ظل هذا التشكك في وظيفة إسرائيل، قد يتساءل الكثيرون عما إذا كان شبح الخوف عند دول الاعتدال سيتلاشى تجاه إسرائيل وقوتها، بعدما تعثرت بقوة في لبنان وغزة (عزل إقليمي).

إن متطلبات الحكومة الأميركية في المنطقة يدعو لإيجاد شريك إستراتيجي يعجل من الوصول للأهداف الأميركية، ومَن أفضل من إيران أن يقوم بهذا الدور، فقد وقفت الجمهورية الإسلامية مع الشيطان الأكبر في القضاء على طالبان وتدريب الجيش الأفغاني، وأتى هذا بعد جهود دبلوماسية أميركية لبناء هذه العلاقات.

وذكر دارسوها بحسرة أن حكومتهم أخفقت في عدم الاستمرار بالعلاقات الأميركية الإيرانية على تلك الايجابية والتعاون المشترك، ودارت الأيام وأصبح لإيران شأن في أفغانستان والعراق وسوريا وحزب الله وحماس ناهيك عن طموحاتها النووية، إن إيران تعلم ما هو ثقلها الإستراتيجي للولايات المتحدة وفي هذه الكرة ستقوم باستغلال الموقف إلى أبعد الحدود، لقد مررنا بتجربة الشاه وصدام، إلى أين نحن ذاهبون؟

هل سيعيد التاريخ نفسه ؟ نعم إذا لم يتم استباق الأحداث، فتاريخ الولايات المتحدة سيئ عندما يأتي الأمر بإثراء دولة قوةً لمعالجة وضع إقليمي، فنحن لا نزال نعيش تداعيات حرب الخليج الأولى، إننا نعلم بأن الولايات المتحدة تعرف بأننا قلقون لعدم وجود عمق إستراتيجي يوازن الطرف الآخر من الخليج العربي، إن تواجد القواعد الثابتة والعائمة بحد ذاتها غير كافية لضمان مصالحنا ومقدراتنا الاستراتيجية، فالهيكل الذي بني إبان الثورة الإسلامية لا يستطيع أن يحمل الثقل القادم، فوجب تدارس المستقبل.

كاتب إماراتي

wafik@almullaholding.com