بعد «قطيعة» استمرّت 42 سنة عادت فرنسا للانخراط في القيادة العسكرية الموحّدة للحلف الأطلسي... والتي كان الجنرال شارل ديغول قد أخرجها منها عام 1966.

لم تكن العودة الفرنسية إلى الحجر الأطلسي مفاجئة ولا سريعة. فمنذ أواسط عقد التسعينات الماضي كانت فرنسا تتمتع بمكانة استثنائية في علاقتها مع الحلف الأطلسي. لقد كانت حاضرة في 36 من أصل لجانه الـ 38 وساهمت في جميع عملياته العسكرية منذ عام 1995.

أمام عودة فرنسا، «الابن الضال»، إلى القيادة العسكرية الموحّدة كعضو كامل الحقوق والواجبات ينقسم الفرنسيون بين مؤيد لقرار الرئيس ساركوزي بتلك العودة وبين معارض له.

المؤيدون يرون أن هذه العودة تضع حداً نهائياً لحالة «الرياء» المتمثلة بوجود «قدم في داخل الحلف وقدم خارجه». ولا يرون في مثل هذه الحالة «امتيازاً»، من حيث حرية القرار والحركة، وإنما يعتبرون أنها تمثل المشكلة. بالتالي يعني وضع حد نهائي لها إنهاءً لواقع «التهميش الجزئي» الذي يحرم فرنسا من إمكانية أن يكون لها صوت مسموع على التوجهات الأطلسية.

وحجة أخرى يقدّمها المؤيدون وهي القول ان الحلف الأطلسي اليوم هو نسخة متجددة، بل ومغايرة إلى حد كبير، عمّا كان عليه في زمن الجنرال، أي ديغول. الملفت للانتباه هو انه ليس في فرنسا اليوم من يعترض على صواب القرار «الحكيم» الذي اتخذه عام 1966. ما لا يعرفه سوى القلّة هو أن السبب الرئيسي الذي دفع الجنرال لسحب بلاده من القيادة العسكرية الموحّدة للحلف الأطلسي كان قرار الولايات المتحدة السماح لقياداتها العسكرية في أوروبا استخدام الأسلحة النووية قصيرة المدى وحيث كانت مهمته المحددة بدقّة هي مواجهة التهديد السوفييتي السابق وحلف وارسو.

قام الحلف الأطلسي، كما هو معروف، في سياق الانقسام الثنائي الدولي إلى معسكرين، غربي وشرقي، وانقسام أوروبا نفسها بين المعسكرين. وبعد انهيار جدار برلين في خريف عام 1989 ثم تداعي أركان المنظومة السوفييتية كلّها، لم ينتهِ الحلف الأطلسي على أساس مبدأ «زوال النتيجة مع انتفاء العلّة ـ السبب». بل على العكس تدعّم وتعزز وتمدد.

وإذا كان مسرح عملياته في فترة الحرب الباردة هو بالتحديد والحصر أوروبا، فها هي الحرب تدور اليوم في أفغانستان تحت رايته ويساهم فيها آلاف الجنود الفرنسيين. فما المبرر إذن أن تبقى فرنسا بعيدة أو بدقة أكثر تستبعد نفسها عن القرارات بينما تشارك في العمليات؟. ولماذا تقصي ضباطها وجنودها من أخذ مكانهم في مختلف مستويات «سلسلة» القيادة؟

وما يفكّر فيه أيضاً الكثير من مؤيدي قرار عودة فرنسا إلى الحلف الأطلسي، دون التصريح فيه غالباً، هو أن وجود بلادهم في «الداخل» قد يهذّب من سلوك الأميركيين في القارة الأوروبية. وهناك مثلاً إحساس سائد في أوروبا أن الولايات المتحدة هي التي دفعت جورجيا إلى تلك المغامرة البائسة في غزو أوسيتيا الجنوبية، على تخوم روسيا، صيف عام 2008 فاجتاحتها روسيا دون تردد ووضعت جميع الأوروبيين في الزاوية الضيقة.

أمّا معارضو عودة فرنسا إلى القيادة العسكرية الموحّدة للحلف الأطلسي فيرون أن قرار الرئيس ساركوزي يتجاوز إرثاً تاريخياً كان مصدر اعتزاز الفرنسيين مراراً باستقلالية نهجهم عامة، وحيال الولايات المتحدة خاصة. وكان التعبير البليغ لتلك الاستقلالية هو معارضة الحرب الأخيرة ضد العراق عام 2003 والنجاح في منع صدور قرار دولي مؤيد لها.

ويرون أيضاً أن العودة إلى البنية العسكرية للحلف تشكّل ضربة حقيقية لبناء «أوروبا الدفاعية» ولتكريس الجهود الرامية إلى صياغة استراتيجية أمنية ذاتية بالتحالف والتعاون مع الشركاء الأميركيين. «الشركاء» وليس «الرؤساء».

ويرون كذلك أن اندماج بلادهم في البنية العسكرية الأطلسية يحرمها واقعياً من دور طالما لعبته وطالما أرادت بقية بلدان العالم منها أن تلعبه من الموقع الذي منحه لها تاريخها وثقافتها. إنه دور المحاور المتميز والمقبول من مختلف الأطراف تقريباً على مسرح العلاقات الدولية. مثل هذا الدور المحاور تزداد أهميته في سياق دولي يوجد فيه من يدفع باتجاه صدامات حضارية.

وفي محصّلة مواقف «معسكر الرفض» الفرنسي لعودة البلاد إلى القيادة العسكرية الموحّدة للحلف الأطلسي يتم التأكيد أن القيادة الحقيقية، ومهما قيل عن التكافؤ والندّية في العلاقة بين الدول الأعضاء، ستكون لواشنطن. ولن يكون لفرنسا، أو غير فرنسا تأثير حاسم على مستوى القرارات الخاصّة بالعمليات العسكرية وتسوية النزاعات.

وفيما هو أبعد من آراء مؤيدي عودة فرنسا إلى القيادة العسكرية الموحّدة للحلف الأطلسي وآراء معارضيها، تدلّ التصريحات الصادرة عن قمّة الأطلسي الـ 60 التي شهدتها مدينتا ستراسبورج الفرنسية وكيهل الألمانية قبل أيام بحضور الرئيس الأميركي باراك أوباما و27 رئيس دولة وحكومة آخرين أن الحلف الأطلسي هو بصدد «انطلاقة جديدة».

مع ذلك، ورغم التصريحات، يدل واقع المواقف على وجود تباين عميق، يكاد أن يكون أحياناً خلافاً حقيقياً، حول العديد من القضايا ليس أقلّها تقاسم الجهود العسكرية والأمنية في أفغانستان وسبل مواجهة الوضع فيها والذي جعل منه أوباما أولويته «الحربية».

«انطلاقة جديدة» وأسئلة جديدة. لكن يبقى السؤال الكبير هو كيف يمكن للحلف الأطلسي أن يستجيب لمنطق الشراكات المتوازنة بين مختلف أطرافه؟! بكل الأحوال عودة فرنسا لم تغيّر شيئاً في الأمر. بل لم تحظَ سوى بإشارة على مدى سطرين في بيان ختامي لقمة ستراسبورج يزيد على 600 سطر.

كاتب سوري ـ باريس

mohaklouf@yahoo.fr