خطاب الرئيس أوباما أثناء جولته الخارجية الأولى، خاصة خلال زيارته لتركيا وتوقفه في العراق؛ غير مألوف في رحابته وعقلانيته. خاصة بالقياس مع الذي ساد، زمن سلفه. تحلّى بكثير من الجرأة والتواضع والكلام الصريح. طبعاً تخلّله تذكير بمواقف أميركية متوارثة غير مقبولة، مع إعادة التأكيد عليها.

قد يكون ذلك من باب القناعة. أو ربما من باب توسيع فسحة الحركة أمامه. لكن في معظمها، لاقت مخاطبته الترحيب، لما تركته من انطباع بأنها تتعدّى المجاملة وموجبات اللياقة الدبلوماسية. وبخاصة في الشقّ الثقافي الانفتاحي، منها. انعكس ذلك في الردود التي فاضت بها وسائل الإعلام وتصريحات المسؤولين؛ الأتراك وغيرهم. في هذا القسم من الامتحان، سجّل الرئيس نقاطاً عالية. احتفاظه بها مرهون بترجمة الإيجابي، الذي سمعته المنطقة منه.

خلال جولته في اسطنبول، حرص الرئيس على رسم صورة، غير تلك «العدوانية» السائدة، عن أميركا. إلى جانب توظيفه لحضوره الوازن ومقبوليته الواسعة، اعتمد على لغة قادرة على التواصل. لا تخلو من الاعتزاز. لكن خالية من لغة الغطرسة الفاقعة والتعالي المقيت. تحدث عن فضائل التعدّدية في أميركا.

لكنه اعترف أيضاً بماضيها الملطخ بالعبودية وباضطهاد الهنود الحمر. وفي كلامه اعتراف ضمني بأن العلاقات مع العالم معطوبة؛ وأن واشنطن ليست بريئة في ذلك. «أميركا كغيرها من البلدان ارتكبت أخطاء وتشكو من الأعطاب»، كما قال في لقائه مع طلبة جامعيين أتراك. شدّد على «لغة الحوار». كما على أن أميركا لا تخوض حرباً ضدّ المسلمين. بل نوّه بأهمية الشراكة مع العالم الإسلامي؛ مؤكداً ان «الأيام ستثبت للجميع أن الولايات المتحدة تغيّرت».

ربما صدر كلام مشابه عن رؤساء أميركيين سابقين. لكن ليس بمثل هذا الترابط والسياق. ثم أن خصوصية أوباما وتصرفاته ومفرداته، تحديداً في هذه الزيارة؛ تعطي لخطابه نكهة خاصة.

مع كل ذلك يبقى المحك في ترجمة هذا اللسان الجديد. المدخل ـ الاختبار، ثقافي وسياسي. الأول يكون في إصرار الرئيس على الاستمرار في العزف على هذا الوتر التصحيحي؛ في مخاطبته للأميركيين. في ذلك مساهمة مهمة لتصحيح الصورة المشوّهة عن العرب والمسلمين، في الوعي الأميركي.

الثاني، يكون في وضع ردّه غير المباشر على حكومة نتانياهو، موضع التنفيذ. من اسطنبول، أعاد الرئيس التأكيد على تمسك إدارته بمبدأ الدولتين. بدأ وكأنه يرد على ليبرمان. الآن يأتي وقت الفعل. لا يعفي الرئيس كلامه بأنه لا يقوى على إجبار الطرفين على السلام. هذا موّال قديم. هو يعرف أكثر. والحكم لن يطول، على جدّية التزامه بكلمته.