مأساة العراق ليست في الحروب التي خاضها، والنتائج المدمرة لشعبه الذي وصل إلى ما يشبه الحرب الأهلية ، والتحول من بلد يُعَدُّ الأغنى بين دول المنطقة وخارجها، إلى أفقرها وأعجزها عن الخروج من ثالوث الفقر والجهل والمرض، وهو الذي كان في يوم يُعَدُّ الأعلى في دخل الفرد في الوطن العربي كله، وأكثره تعلماً وثقافة وإنتاجاً زراعياً سبق حتى الدول المتقدمة، ليصبح إقليماً بائساً..

لقد بدأت المأساة مع الزعامات الانقلابية، وقبل الغزو الأخير كانت تصفية وتهجير العلماء وأساتذة الجامعات والأطباء، وكل الكفاءات التي يحتاجها العراق المقدمات لغزوه، وما يجري الآن من نهب للأموال وتهجير لثلث السكان وانتشار الجريمة والمخدرات وجعل الطائفة فوق الوطن ، والعشيرة فوق الوحدة الوطنية، ليست هموماً يمكن معالجتها بين يوم وليلة، لأن المخزون الهائل من الاحتقان وولادة أجيال في ظل الحروب والتحولات الخطيرة بالبحث عن أمن ذاتي مع أي جماعة متطرفة سواء كانت دينية أو قومية، أو طائفية أفرزت حالات خطيرة قد تضع العراق في حلقات المآسي والانشطارات المتتالية..

آخر ما يجري على ساحة هذا البلد الغني بكل شيء بيع الأطفال عندما فضحت هذه القضية إحدى الصحف البريطانية كما حدث لأطفال دارفور بالسودان، وتشاد عندما كُشفت عملية التهريب لفرنسا، والمأساة الأكبر أن المتاجرة بالقصر، تأتي إما لبيع أعضائهم، أو الاغتصاب وإدخالهم دوائر الجريمة المنظمة، بمعنى أن غايات المشترين قذرة بكل ما تعنيه شروط ومبادئ الإنسانية..

هل اتجه العراق إلى بيع أطفاله، وهل الأب والأم أو العائلة وصلت بها الحال للعودة إلى مبادئ الرق القديم عندما كان الخطف أو الشراء المتعسف للعبيد سنة المجتمعات، وهل مهد الحضارة الإنسانية الذي كان صاحب رسالات إنسانية، لم يبق منه إلا أن تتحول موروثاته وآثاره، وحتى البشر إلى المزادات المشبوهة، ولم يبق منه إلا الأقاليم المتنازع عليها في الجنوب والوسط والشمال؟ ثم هل الديموقراطية التي تطبل لها أمريكا ، ومن يرقصون في حفل أعراسها السبيل لحل هذه الأزمة، بينما كل عراقي تقابله أو تناقشه أو تتحرى منه المعلومات يعطيك الوجه الآخر الحقيقي للمأساة وفشل كل هذه المشاريع؟

ومع كل ما يجري أفهم أن طبيعة الشعوب هي الثورات والتوترات وحتى خلق الحروب والشعب العراقي لديه مصادر القوة للخروج من الأزمة ، وهو صاحب الكرامة والشهامة النادرتين في الكثير من مجتمعاتنا، لكن تبقى الإرادة الجماعية هي من ينقذ هذا البلد العريق والشعب العظيم، فقط أن يكون الوطن هو الشعار والهدف حتى لا يقع في مصيدة التدخلات، والجميع يعلم أن موارد وثروات هذا البلد لو استطاع العودة إلى الواقع وتصحيح الأخطاء، لربما جعلت إرادة الشعب فوق التلاعب بالمشاعر والذهاب بها إلى القطيعة بين الأسر التي عاشت التزاوج بين الشيعة والسنة والأكراد ، وحتى بين أصحاب الديانات بدون السؤال عمن يدين بمذهب أو ينتسب لقبيلة، وقد عاش غنياً بتلك الثروات وكريماً بها، وتبقى المسؤولية العربية تجاه هذا الوطن كبيرة ليس بالتدخل في شؤونه وإنما مساعدته على حل قضاياه المعقدة إذا كنا بالفعل أمة تريد أن تعيش بعقلها وأعضائها سليمة..