تمثل الكويت إحدى الحالات العربية القليلة والتي يمثل فيها البرلمان، بيت الشعب، قوى غير قوى الدولة. ففي العديد من الدول العربية تمثل البرلمانات المنتخبة امتدادات أخرى للسلطة التنفيذية أكثر من كونها تمثل سلطة ندية في مقابل السلطة التنفيذية للدولة. ومع ذلك فإن القول بأن البرلمانات هي ممثل لقوى المجتمع، هو في بعض حالاتها ولربما أغلبها في المنطقة العربية، قول يجافي الواقع.

فالقوى الماسكة بالشارع ليست هي بالضرورة القوى الممثلة له، وإنما تمثل في حقيقتها القوى الأكثر تنظيما وقدرة على تحريكه وتوظيفه لتحقيق مصالحها السياسية والتنظيمية. وهي في تمثيلها لما يسمى بالشارع، إنما في واقع أمرها تمثل تنظيماتها السياسية ومصالحها السياسية أو مصالح قياداتها السياسية.

فالبرلمان الكويتي في تشكيلته الحالية قد يكون نتاجا لمطلب شعبي بإعادة تقليص الدوائر الانتخابية لخمس دوائر بدلا من الخمس والعشرين، إلا أنه في واقعة يعبر مرة أخرى عن قدرة هذه القوى الاسلاموية والقبلية على إعادة تنظيم نفسها بالصورة التي تعزز من مواقعها داخل السلطة التشريعية. فإعادة تقسيم الدوائر وتقليص عددها لم يحل مشكلة العلاقة بين الحكومة والبرلمان، وهو السبب الذي من أجله حل البرلمان في المرات السابقة.

كما أنه لم يغير من طبيعة التشكيلة الاسلاموية ـ القبلية التي باتت تمثل البرلمان الكويتي، وهي تشكيلة قد تم توظيفها من قبل التعاضديات القبلية والاسلاموية، ولربما من قبل قوى داخل مؤسسة الحكم، إما لإيصال الحكم لقناعة أن المجلس لم يعد بالإمكان احتمال قيامه بتعطيل البرامج والمشاريع الحكومية، أو بغية تصفية حسابات قائمة بين أطراف وجماعات داخل المجتمع الكويتي.

فليس سرا القول أن القوى الاسلاموية، وتحديدا السلفية وحركة الإخوان المسلمين والقوى القبلية، قد تم توظيفها من قبل جماعات المصالح ولربما من أطراف داخل مؤسسة الحكم، لتعطيل العملية السياسية أو لإثبات أن العملية السياسية لا يمكن أن تتم دون حضورها في القوة.

فالقوى التي كانت الدولة تعتمد عليها في مواجهة القوى المدينية والجماعات القومية واليسارية خلال عقود الستينات والسبعينات والثمانينات قد خرجت عن الضبط، وهي حالة قد أضعفت من مقدرة الدولة على كبح جِماح القوى الاسلاموية والقبلية التي كانت حتى قبل عقد من الزمان قوى حليفة لها.

فحركة الإخوان المسلمين وهي الحركة التي كانت منذ نشوئها حركة موالية للحكم، بل إن الكثير من قياداتها المدينية قد أُوصلت لمراكز متقدمة في السلطة التنفيذية، هي ذات الحركة التي قادت مؤخرا حركة التمرد على السلطة، بل كاد تمردها هذا أن يؤدي لحل غير دستوري للسلطة التشريعية. وهي في عملها هذا تعبر عن طبيعتها في العمل السياسي القائم كما يقولون «على التمسكن ومن ثمة التمكن».

إلا أنها تعبر في المقابل عن تطلعاتها رغم حضورها البرلماني الصغير، في أن تلعب أداورا سياسية تفوق حجمها وحضورها السياسي، وذلك من خلال قيامها بنسج تحالفات سياسية مع القوى السلفية والقبلية داخل البرلمان، ومع نسجها لعلاقات المنفعة مع جماعات المصالح داخل المجتمع الكويتي.

ومع ذلك فإن التشكيلة التي جاءت بها كل الانتخابات البرلمانية الأخيرة في الكويت، لا تعبر فقط عن ضعف في قوة قوى الحداثة مقابل تنامي قوة التضامنيات الاسلاموية والقبلية، وإنما تعبر عن كيف تقود السياسات التي قد تتبناها الدولة في مواجهة بعض القوى السياسية المدينية، إلى مصاحبات كارثية على الدولة والمجتمع في المدى الأبعد.

فالتحالفات التي نسجتها الدولة مع القوى الاسلاموية والقبلية في السبعينات والثمانينات، قد قادت إلى حالة من انفلات في القوة كما وأنها عكست حقيقة أن الدخول في اللعبة البرلمانية بالنسبة لبعض القوى السياسية، ولربما الاسلاموية والتضامنيات التقليدية، لا يعني بالضرورة إيمانا راسخا بها، وإنما يأتي توظيفهم لأدواتها من أجل خدمة أهدافهم التنظيمية ولربما الشخصية.

فالتحالفات التي باتت تنسج داخل وخارج المجلس والتي ضمت قوى حركة الإخوان المسلمين والقوى السلفية وجماعات المصالح، لم تقد نحو تطوير العملية السياسية وبالتالي إحداث التنمية في الداخل الكويتي، وإنما قاد كل هذا إلى ارتدادات عن الكثير من إنجازات النهوض الاجتماعي والثقافي المهمة والتي حققتها قوى المجتمع المديني في المجتمع الكويتي.

وتعبر هذه الحالة عن حقيقة أن الديمقراطية لم تتشكل بعد كثقافة في مفاصل التفكير والممارسة السياسية للكثير من القوى السياسية العربية، بما فيها القوى الماسكة بزمام السلطة في الدولة العربية، وأن التعبير عنها في خطابها السياسي المعلن، ولربما قد يمتد ذلك لإقدامها على دخول العمل السياسي البرلماني، ما هو إلا كما يقال «مفسدة لدرء فساد اكبر».

وحتى لا يكون كلامنا مطلقا فإننا نقول إن تحولا في الفضاءات السياسية والثقافية الحاكمة للسلوك السياسي قد أحدثت بعض التغيير في مناهج وأساليب عمل هذه القوى السياسية، إلا أن حجم التغيير ومداه في عقلية قياداتها السياسية والتنظيمية المعلنة منها والمستترة لا يزال محدوداً.

إن التغيير الذي جاء في الممارسة وفي الثقافة السياسية لقوى الإسلام السياسي التركي، إن هو إلا نتاج لطبيعة الفضاءات السياسية والثقافية المشكلة للسلوك السياسي على مدى العقود الكثيرة الماضية. فالموقف الرافض للتوظيف السياسي للدين من قبل الدولة قد أفرز قوى سياسية، وإن كانت متدينة من حيث الممارسة الشخصية لأفرادها ولربما التوجه، إلا أنها تبقى قوى علمانية من حيث الخطاب والممارسة السياسية.

إن قدرة الدولة العربية على تحييد الدين داخل المجتمع العربي، وتأكيد ممارستها المترفعة عن الدخول في الصراع بين اثنياتها المختلفة وقدرتها على إقامة مجتمع المواطنة، ونزع الخوف من أن التحول الديمقراطي سيقلص من حصصها أو حصص أفرادها من القوة، هو الطريق نحو التحديث والإصلاح السياسي.

كاتب بحريني

drbaqer@gmail.com