العقيدة الماركسية وعقيدة الإسلام ـ أو أي دين سماوي آخر لن يجتمعا في قلب رجل واحد. وفي هذا لا تختلف الماركسية عن الفلسفات العلمانية الأخرى. لذا فإننا نظلم النظرية الماركسية اللينينية بقدر ما نظلم الأديان السماوية إذا حاكمنا مجموعة أطروحات كارل ماركس وفلاديمير لينين وكأنها دين.. فهي أطروحات وضعية كأطروحات الفكر الرأسمالي مثلا.

على أن ما يستهوي شابا مسلما مثقفا إذا درس «المانفستو» الشيوعي وكتاب «رأس المال» لماركس ومؤلفات لينين هو أولا المقدمات التحليلية العلمية الرصينة (نظرية الصراع الطبقي مثلا) وثانيا الاستخلاصات المستنبطة في هذه المقدمات (نظرية فائض القيمة) مثلا ـ وهذا ما جرى لأحمد سليمان بادئ الأمر.

ولكن بينما يبقى بعض الشبان المسلمين ملتزمين بعقيدتهم الماركسية حتى مرحلة الكهولة ـ وبالتالي متحللين من عقيدتهم الدينية ـ فإن البعض الآخر تظل تؤرقه ذهنيا تساؤلات بشأن الغيب وما بعد الحياة الدنيا: ذلك النوع من التساؤلات التي لا تجيب عنها النظريات العلمانية ـ ومن بينها الماركسية ـ لأنها من بين هذه التساؤلات: من أوجد الكون؟ وهل هنالك بعث بعد الموت؟ وهل يكون هناك حساب.. وجنة ونار؟ وما حكمة الخلق؟

وكما جرى لأحمد سليمان أيضا فإن مثل هذه التساؤلات المصيرية هي التي تقود إلى مراجعة الذات، وبالتالي إلى الهداية. وتكتمل الهداية بالعودة إلى القرآن بقلب مطمئن واكتشاف حقيقة ان الرسول صلى الله عليه وسلم هو القدوة العظمى للبشر أجمعين.لقد عكف أحمد سليمان على دراسة القرآن والحديث الشريف وتعمق في هذه الدراسة حتى استوعب معانيه حول الدنيا والآخرة فانعكس ذلك إيجابا على سلوكه الذاتي.

ونعود إلى السؤال الأول: ما هو مستقبل حزب شيوعي في بيئة اجتماعية إسلامية؟ رغم أن سجل الحزب الشيوعي السوداني يفيد بأنه كان يحظى بشعبية عريضة ونوعية كما سبقت الإشارة، إلا أن الحاضر ينبئ بشيء مختلف. إذ أن الحزب فقد قدرته على النمو. وبينما يبرر بعض المحللين هذه الحقيقة لا يزال يعاني آثار التدمير الذي لحق به في عهد نميري إلا أنه تبرير ضعيف.

ذلك أن سقوط نظام نميري مضى عليه الآن نحو ربع قرن.والحقيقة البنيوية هي أن الحزب لم يستطع حتى الآن ابتكار صيغة للتأقلم مع بيئة دينية إسلامية. في العصر الراهن تتمدد الامبريالية الغربية بقيادة الولايات المتحدة على مستوى عالمي. وجماعات التيار الإسلامي الراديكالي هي التي تتصدر المعارضة ضد الاستعمار الامبريالي الجديد. وكخطوة أولى نحو التصالح مع الإسلام والشعوب الإسلامية فإن على الحزب الشيوعي السوداني ـ والأحزاب الشيوعية الأخرى ـ مد جسور تحالف مع هذه الجماعات.

opinion@albayan.ae