عودة السيارات المفخخة إلى شوارع بغداد، بهذه القوة والحصاد الدموي الغزير، فيها تذكير بشيئين. من جهة، باستمرار حضور العنف في العراق وقدرته على ضرب الأمن.

انفجار ستة منها خلال ثلاث ساعات، في مناطق متفرقة من بغداد؛ بكلفة أكثر من ثلاثين قتيلاً ومئة وثلاثين جريحاً؛ يؤكّد ذلك ويستحضر معه شريط الماضي المرعب، غير البعيد.

من جهة ثانية، تأتي هذه الموجة الملفتة في تركيزها وتنظيمها، لتشير مرة أخرى؛ إلى أن المسألة ليست فقط مجرد وضع أمني مكشوف، أو خلايا نائمة؛ بقدر ما هي مشكلة اضطراب سياسي متفاقم يؤدّي، في لحظات التهابه، إلى إعادة إنتاج العنف. وهذا هو الأهم.

تفجيرات «الاثنين الأسود»، بدت وكأنها منعزلة عن سياقها الأمني. وقعت في وقت يتزايد فيه منسوب التحسن الأمني. منذ عدة أشهر الأمن يتقدّم والعنف يتراجع، في العاصمة كما في سائر أنحاء العراق. تدابير وإجراءات، أثبتت فعاليتها في ضبط النزاعات والصراعات الداخلية. أدّت إلى هبوط كبير في حجم الضحايا. الحياة عادت، في العديد من جوانبها، إلى مجراها الطبيعي.

الفارق كبير بين ما كانت عليه قبل فترة وجيزة وبين ما هي عليه اليوم. وبذلك، بدأ يسود الاعتقاد بأن أيام الرعب قد ولّت. لذلك ما حصل أمس الأول كان له، من الناحية الأمنية، وقع الصدمة. وكأنه كان دخيلاً على الوضع. وهذا ليس صحيحاً.

فهو من صلب الوضع وتفاعلاته. وهبات العنف، ولو المتقطعة، في الآونة الأخيرة؛ تنطق بذلك. تفجيرات الشهر الماضي، الأربعة والتي حصدت عشرات الضحايا؛ كانت نذيراً بعودة الغليان الأمني.

ولم يكن صدفة أن كل ذلك ترافق مع احتدام الخلافات والصراعات السياسية بين القوى؛ التي بدأت تسرع في عملية تموضعها، عشية الانسحاب الأميركي من المدن والمناطق الآهلة. نيّف وشهرين ويحلّ الموعد. معه يدخل العراق في طور جديد. من الطبيعي أن تسخن المنافسة على المواقع والتحالفات، في ظلّ حالة المحاصصة القائمة. بل هي مسألة تحصيل حاصل.

الإصلاحات السياسية والدستورية، التي سبق وتمّ إقرارها والتوافق على ترجمتها؛ بقيت على رفوف الانتظار. ترحيل استحقاقها، زاد من تعقيدات الوضع السياسي؛ مع اقتراب ساعة الصفر من دون البت بأمرها. بدلاً من أن تكون الصيغة جاهزة، بآلياتها ومؤسساتها القائمة على أرضية توافق وطني ثابت؛ بقيت التركيبة على حالها. ومن المنطقي أن يتأزم الصراع ويأخذ تعبيراته الأمنية، كما حصل.

الاتهامات كثيرة. توزعت باتجاه الداخل والجوار. بصرف النظر عن مدى جدارتها، الخلل يبقى في غياب الوفاق السياسي الوطني العريض. من هذه الفجوة يتسلل العنف. وبإقفالها ينقطع عنه الهواء.