ولادة (تنظيم المستقبل) حوّلت (التيار) من عمل جماهيري عفوي إلى واقع مؤسساتي على رأسه سعد الحريري الزعيم العصري الشاب فالذين تابعوا إعلان إطلاق الوثيقة السياسية لتيار المستقبل مساء الأحد الفائت إكتشفوا أمامهم زعيماً شاباً صقلته الأعوام الأربعة الأخيرة ووضعته ليس في مصاف الزعماء اللبنانيين الشباب، إذا وُجدوا، بل في مصاف الزعماء العرب الشباب.
في التجربة السياسية اللبنانية هناك إما وثائق سياسية من دون إطار جماهيري، فتسقط لأن لا رافعة لها لترجمتها، وإما زعماء سياسيون من دون طرح سياسي، فتموت زعامتهم بموتهم.
ما شهده اللبنانيون مساء الأحد الفائت هو تكامل التجربتين:
وثيقة سياسية وزعامة وطنية، ما يُشكِّل رافعة جماهيرية للوثيقة لترجمتها، وحصانة جماهيرية للزعيم ستتأكد الثقة الشعبية به في السابع من حزيران المقبل.
إذا كان الرئيس الشهيد رفيق الحريري قد شكَّل (قوة التأسيس)، فإن النائب سعد الحريري يُشكِّل (قوة الإستمرارية) منذ تسلَّم الأمانة والمسؤولية. في بحر من الدماء والغضب، قيل الكثير عن أنَّ هذا الشاب لن تقوى كتفاه على حمل المسؤولية، جاء الإختبار الأوَّل في إنتخابات العام 2005 فأثبت أنَّهُ أهلٌ للأمانة، ثم جاء إجتياح بيروت في أيار من العام الماضي فقيل إنه (إنتهى)، لم يتنبَّه الخصوم إلى أن النائب الحريري يراهن على عاملَين:
ثقة الناس والشرعية اللبنانية، رهانه الأوَّل كسبه وينتظر تثبيته في صناديق الإقتراع، وهو مرتاح لهذه الثقة سواء في بيروت أو في الشمال أو في البقاع أو في صيدا، فهو قبلة المشاورات لترتيب الترشيحات واللوائح، أما الرهان على الشرعية فيحتاج إلى أن يلاقيه الأطراف الآخرون في منتصف الطريق، لأنَّ يده وحدَه (لا تُصفِّق).
نجح النائب الحريري على مستوى الزعامة، ويبقى التحدّي الأكبر أن ينجح، على رأس (تنظيمه) في تحصين نهج الإعتدال الذي يقف مانعاً أمام تفشي التطرُّف في (بيئته) أولاً وفي (بيئة) الآخرين إستطراداً، فالوثيقة السياسية التي تمَّ طرحها تٌشكِّل خارطة طريق ليس (للمستقبل) فحسب بل لمستقبل الوطن عموماً، وإذا كان هناك من قرار للإنتقال بالعمل السياسي في لبنان من مرتبة (الشخصانية) إلى مرتبة (المؤسساتية)، فإن على كل القوى أن تنصرف إلى مناقشة هذه الوثيقة وجدولة تطبيقها، ففيها الكثير مما يمكن السير فيه مباشرة، وإذا وُجد من وضع خارطة طريق وسهَّل المسار الوطني على الآخرين، فلماذا لا يؤخذ به والمباشرة بوضعه موضع التنفيذ?
