تواجه القضية الكردية التي يقترب عمرها من قرن من السنين منعطفاً حاداً. حقيقةً وميدانياً تتوزع مسؤولية القضية الكردية على أربع دول إقليمية قوية نسبياً هي العراق وسوريا وتركيا وإيران.

يتركز النشاط العسكري للانفصاليين الأكراد حالياً في منطقة جبال قنديل عالية الوعورة في أقصى شمال العراق. بدوره يمثل نشاط حزب العمال ما تبقى من الأنشطة الكردية المعروفة بعد انحسارها إلى درجة الصفر تقريباً في كل من سوريا وإيران. في العراق يتمتع أكراد الشمال بهدوء نسبي لكن ثمة هشا قابلا للانتكاس بسبب طبيعة الأوضاع العراقية تحت الاحتلال الأنجلو ـ أميركي.

حديثاً أصدرت الحكومة العراقية في بغداد توصية أو أمراً لحزب العمال الكردي بضرورة إلقاء السلاح أو مغادرة الأراضي العراقية في الشمال، أو الاثنين معاً. ذلك أمر يكاد يفتقر إلى الجدية الحقيقية إذا ما علمنا أن القيادة العراقية يسيطر عليها الأكراد بدرجة ملحوظة. تشمل القيادة العراقية الرئاسة والحكومة والبرلمان وقيادات الجيش بعد الاحتلال.

الرئيس العراقي نفسه قيادي سابق وحالي فيما تُعرف بالبيشمركة العراقية. هذه تسعى إلى تحقيق نفس الأهداف السياسية والعسكرية الاستراتيجية لحزب العمال الكردي في تركيا. تتمثل تلك الأهداف بعيدة المدى بإمكانية قيام دولة كردية فيما تُعرف بكردستان الكبرى. لذلك قد لا تعدو دعوة الحكومة العراقية لحزب العمال أكثر من كلام في السياسة معمّد بنبرة علاقات عامة، وربما ضحك على لحى وذقون البعض.

دعوة الحكومة العراقية لحزب العمال لم تأت من فراغ بل أملتها الظروف المحلية والإقليمية والدولية المحيطة. الجيش الأميركي بدأ انسحابه من العراق ومن الممكن أن تتسارع وتيرة الانسحاب في أي وقت وبشكل مفاجئ. الإدارة الأميركية ضاقت ذرعاً، أو هكذا تبدو، بعمليات حزب العمال ضد حليفة أميركا التقليدية في المنطقة، تركيا.

بات على أميركا أن توعز إلى حلفائها القائمين في بغداد لفعل أو قول شيء يبعد عن الأميركيين تهمة الرضا عن تصرفات حزب العمال الكردي. ذلك أسوة بالتعاطف الأميركي مع أكراد العراق في حربهم السابقة على النظام المركزي السابق في بغداد.

الغرب الأوروبي كذلك، وبالرغم من التعاطف الواسع مع قضية الأكراد، إلا أنه لا يقبل بالطريقة العسكرية أو العنيفة التي ينتهجها حزب العمال. الظروف الدولية المحيطة بالقضية الكردية لا يُحسد الأكراد عليها. هذا بالرغم من أن قدرة أوروبا على التحرك الفعال عالمياً محدودة نسبياً ولا يُركن إليها حينما يشتد الخطب.

لكن تستطيع أوروبا الغربية التأثير على القرار التركي باستخدام أوراق ضغط سلمية تقليدية. تتمثل هذه بانتقاد انتهاكات لحقوق الإنسان وتأخير محاولة تركيا الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي بما فيه من سوق أوروبية مشتركة.

لن يلقي حزب العمال السلاح رغماً عن كل هذه الدعوات والتهديدات المصاحبة من هذا المصدر أو ذاك، منفردة أو مجتمعة. السبب هو أن تركيا لم تقدم أية تنازلات ذات شأن يذكر في إحراز تقدم في مجالات السياسة وتحقيق الحقوق الكردية الثقافية والوطنية.

المحاولات الجارية بشأن إطلاق سراح رئيس حزب العمال، عبدالله أوجلان، لم تحرز أي تقدم. هنالك محطة تلفزيونية واحدة تبث برامج باللغة الكردية موجهة من الحكومة المركزية في أنقرة لنحو عشرين مليوناً من الأكراد. طرح ملف الحقوق الوطنية للمجموعة الكردية لم تلق طريقها إلى قاعة البرلمان. لذلك فالطلب من حزب العمال بإلقاء السلاح لهو من قبيل طلب الاستسلام الكامل، عدا عن كونه انتحاراً سياسياً وعسكرياً مؤلماً.

حقيقة حزب العمال الكردي لا يحتاج إلى دعم سياسي أو عسكري قوي من أي مصدر. عدة مئات من المقاتلين المنتشرين في بقعة جغرافية وعرة في أقصى شمال العراق قادرون على إنهاك جيش عرمرم بمستوى الجيش التركي ذي التسليح الأطلسي. لم يخسر حزب العمال الكثير بشرياً ومادياً طيلة عشرات السنين من القتال ضد الجيش التركي النظامي. على العكس من ذلك فبعد كل عملية عسكرية أو سلسلة منها يخرج الحزب منتصراً وقوياً أكثر من أي وقت مضى.

شعبياً يلاقي حزب العمال تأييداً واسعاً من أغلب الفئات الكردية في المنطقة الكردية وحول العالم. القضية الكردية تكسب زخماً إضافياً كل يوم. حزب العمال، المصنف أوروبياً وأميركياً كمنظمة إرهابية، يلاقي تعاطفاً واسعاً من قبل أكراد شمال العراق. هؤلاء يعملون كحاضنة مؤقتة للحزب وأنشطته وأعماله. هذا بالإضافة إلى الدعم من قبل الأكراد الآخرين في إيران وتركيا وسوريا. لا تتعدى نبرات التحدي بين الساسة العراقيين الأكراد وحزب العمال أكثر من زوبعة في فنجان السياسة والعلاقات العامة.

حقيقةً كل الضغوط الدولية والإقليمية والمحلية تتحطم، بمجرد بدء أي منها، على صخور جبال قنديل الوعرة. جبال قنديل قد تصبح فيما بعد في فكر الأجيال الكردية القادمة ومن يناصرها مكان الولادة (العسيرة) للدولة الكردية الكبرى المنشودة، التي طال انتظارها. المقاومة الكردية التي يقودها حزب العمال الآن تثبت مرة أخرى أن حركة سياسية يدعمها شعب لا يمكن أن تُهزم. تكالبت قوى المنطقة الإقليمية مع المحلية والدولية لكسر شوكة حزب العمال.

عدة مئات من الشباب والصبايا الأكراد يقفون بشموخ عز نظيره بين حركات التحرر ضد هذه الحملة الهوجاء المستمرة على شعوبهم منذ عشرات السنين. بالرغم من أن حزب العمال الكردي يمر بأقصى مراحل الضعف والحصار إلا أن هزيمة عسكرية وسياسية تبدو بعيدة المنال، بل مستحيلةً أكثر من أي وقت مضى.

القضية الكردية شأنها شأن أية قضية سياسية أخرى تحتاج إلى حل سياسي واقعي. حتى وإن سكتت البنادق وهدأت النيران تحت تهديد قوة السلاح إلا أنه يبقى هنالك شعب محروم من حقوقه الأساسية الوطنية والقومية وحق تقرير المصير. على أطراف الصراع الجلوس حول طاولة المفاوضات ومناقشة حل يرضي جميع الأطراف. لقد مضى زمان التبجح بالأغلبية العددية وعظمة قوة المركز العسكرية والسياسية والإدارية.

لا يليق بالتصرف البشري الحالي الإبقاء على الملايين من البشر غير الراضين عن الحكم المركزي تحت السيطرة بقوة السلاح. ذلك وعلى وجه الخصوص بشأن قضية أخذ الدهر من عمرها طويلاً وقدم أهلها تضحيات جساما على مذبح الحرية وتقرير المصير.

جامعة الامارات

Nasrin@uaeu.ac.ae