بالنسبة للخبراء الغربيين، الأمر لا يتعلق بالكساد الكبير الناجم عن أزمة الرأسمالية في عام 1929، التي ولدت كوارث اقتصادية واجتماعية نجم عنها: صعود هتلر إلى السلطة في ألمانيا عام 1933، وصعود فرانكلين روزفلت في أميركا الذي تولى السلطة وسط مصاعب اقتصادية حادة، و«مسيرات الماشين جوعا» في بريطانيا، لكن الكساد الكبير الذي يعيشه العالم الآن ناجم عن أزمة النيوليبرالية، أو الليبرالية الجديدة، وله أسبابه وتداعياته الاقتصادية والاجتماعية على المستوى الكوني..

بطبيعة الحال، السير العام للأزمة المالية والاقتصادية العالمية الراهنة، والأضرار الناجمة عنها، تبدو مختلفة عن أزمة الثلاثينيات من القرن العشرين، إذ أنه ليس متوقعا أن ينخفض الناتج المحلي الإجمالي في الولايات المتحدة الأميركية بنسبة 6,26 في المئة، والدخل الحقيقي للأسر بنسبة 25،7في المائة، كما شهدته البلاد ما بين 1929-1933.

في الماضي كانت تهيمن في البلدان الرأسمالية المتطورة يد عاملة ريفية وصناعية ضعيفة المستوى التعليمي. أما اليوم، فإن البلدان الغربية الغنية تتسم بخاصية أساسية هي هيمنة الطبقة الوسطى في مجتمعاتها، المتكونة من المالكين لصناديق الادخار وأنظمة التقاعد، التي ضربتها الأزمة في الصميم، من جراء انهيار الأسهم والقيم العقارية.

ومن الجدير بالذكر أن هذه الأزمة تمس كل الطبقات الوسطى في العالم أجمع، حتى في البلدان التي لا تشكل فيها أكثرية، إذ إن انهيار الأسواق المالية بنسبة 60 في المائة في اقتصاديات البلدان الناشئة مثل الصين وروسيا، والهند، وتركيا، ألحق أضرارا بمدخرات الطبقات الوسطى الناشئة التي تلعب دورا تنمويا رائدا على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي.

هل كانت قمة مجوعة العشرين التي عقدت في لندن يوم 2 أبريل الجاري بمستوى التحدي لمجابهة أزمة الرأسمالية الحالية؟

حسب البيان الختامي للقمة، فقد وقع قادة مجموعة العشرين المالية في لندن على «نظام عالمي جديد» يعمل على انتشال الاقتصاديات من أعمق أزمة مالية منذ الكساد الكبير، ويسعى لتقويض تأثيرات الصادرات الأميركية «الأكثر ضرراً» للعالم المالي، بعدما توصلوا إلى تسوية بين محورين، الأول أنكلوسكسوني تقوده أميركا وبريطانيا ويريد إنفاق أموال إضافية للتخفيف من الإسقاطات المدمرة للأزمة المالية الدولية، والثاني تقوده فرنسا وألمانيا يريد فرض قواعد صارمة لتنظيم عمل النظام المالي الدولي.

التسوية التي توصلت إليها قمة لندن تكمن في ضخ موارد مالية جديدة بقيمة تريليون دولار إضافي في الاقتصاد العالمي، من طريق المؤسسات المالية الدولية، ولا سيما صندوق النقد الدولي، حيث تشمل هذه الموارد الجديدة (التريليون دولار) التي جرى التوافق حولها 250 مليار دولار من حقوق سحب خاصة لصندوق النقد،الذي سيشهد زيادة موارده إلى ثلاثة أمثالها بضخ 500 مليار دولار من الأموال الجديدة. كما اقتضت التسوية تمويل التجارة بقيمة 250 مليار دولار على مدى عامين لدعم تدفقات التجارة العالمية.

وفي قمة مجموعة العشرين، حصل اتفاق بين الولايات المتحدة الأميركية، وبلدان الاتحاد الأوروبي على نقطة محددة، ألا وهي الاتهام الفعلي «للفراديس الضريبية» التي تسمح للشركات المتعددة الجنسية على وجه الخصوص بدفع ضرائب أقل.

إذ تحاول حكومات الدول الصناعية المتقدمة تشديد المراقبة الصحيحة للأموال التي تبيض وتودع في ما يعرف باسم هذه «الفراديس الضريبية» المتواجدة في سويسرا، وموناكو، وأوروبا، وجزر الأنتيل، وباناما، وسنغافورة، والولايات المتحدة بالطبع، عبر إخضاعها لقواعد الرقابة والمحاسبة، ولاسيما أن ما يزيد على 11 تريليون دولار مودعة في مصارف هذه المناطق، يمكن أن يكون المردود منها ما يصل إلى 250 مليار دولار من الضرائب.

المفارقة في قمة لندن، أنه في الوقت الذي تم فيه الإعلان عن إفلاس البنوك ومديري الشركات الكبرى في فترة سابقة، حقق القادة السياسيون لدول مجموعة العشرين نجاحا استثنائيا أمام الرأي العام العالي، باعتبارهم حاملين الأمل للخروج من الأزمة الراهنة، ولاسيما في ظل عودة الدولة طرح مخططات لإنقاذ الرأسمالية، وضخها المليارات من الأموال العامة في البنوك، والصناعات المهددة بالإفلاس.

كاتب تونسي

tawfik-m@scs-net. org