تزامنت الزيارة الأوروبية الأولى للرئيس الأميركي أوباما مع حدث بارز على الصعيد الدولي هو الذكرى الستين لتأسيس حلف شمالي الأطلسي. وأظهر تسلسل الأحداث بأن توقيت الحدثين، أي الزيارة والذكرى، كان مقصوداً بهدف منح أوباما أكبر زخم ممكن في جولته الأوروبية الهامة والتي أطلق خلالها سلسلة من المواقف الجدية ذات البعد الاستراتيجي.
لكن على وقع الاقتحام الدبلوماسي الأميركي لأوروبا برزت سلسلة من الأفكار الجدلية المرتبطة بحلف الناتو والتي ألقت بظلالها على الوضع السياسي العام بين أعضاء هذا الحلف تحديداً، حيث بدا ذلك من خلال جملة من المعطيات والحقائق التي يمكن إيجازها على الشكل التالي:
ـ برغم مظاهر التوحد التي حاول قادة الناتو إشاعتها من خلال الظهور الاحتفالي في أكثر من مكان، تبين بأن الخلافات القائمة بين هؤلاء ليست مجرد روتينية بل قد تحمل في طياتها بعداً جدّياً في ما يخص التفاهم على الأمور ذات الطابع التنظيمي، لكن أيضا في ما يتعلق بتحديد الأولويات العسكرية الاستراتيجية أو التحالفات ذات الطابع التعاوني أو الانفتاحي أو ما شابه.
هذا الأمر بدا بوضوح من خلال الاختلاف الواضح على منصب الأمين العام للحلف، والذي انقسم فيه الأعضاء إلى معسكرين غير متكافئين عددياً. الأول يمثل تركيا «الإسلامية» التي سجلت رفضها لترشيح رئيس الوزراء الدانمركي أنديرس فوغ راسموسن، والثاني جمع ما تبقى من أعضاء. وكنتُ سأتجرأ لوضع هؤلاء في خانة الدول «المسيحية» لكنني أحجمتُ عن ذلك لأن بعض تلك الدول لا تعرف من هذه الديانة الكريمة سوى اسمها وإن كانت تصر على وضع نفسها في خانة ما يعرف «بالحضارة المسيحية ـ اليهودية».
الفريد في الأمر أن هذا الخلاف بدا للبعض استعراضياً لأنه لا يمس جوهر عمل الناتو بأي شكل من الأشكال، بل يتمحور حول مفاهيم ومشاعر ذات طابع ديني تعتبر مقدّسة بالنسبة للبعض (أي تركيا) وهامشية بالنسبة للبعض الآخر.
ما نتحدث عنه تحديداً هو ربط تركيا مسألة رفضها لترشيح راسموسن بمواقف الأخير حيال الرسوم الكاريكاتورية المسيئة لرسول الإسلام محمد (عليه الصلاة والسلام) واعتبارها ذلك شأناً كبيراً لا يمكن التنازل عنه، في حين أنها لم تمانع الأهداف الاستراتيجية التي تبناها الحلف مؤخراً ونصّت صراحة على اعتبار ما يوصف بـ «الإرهاب الإسلامي» العدو الأول خلال المرحلة المقبلة.. طبعاً جرى حصر الخارطة الجغرافية لهذا الإرهاب بأفغانستان وما حولها من جبال ومخابئ، حيث أن الحلف تبنّى خططه الجديدة لتصعيد نشاطه في هذه المنطقة بهدف رفع رصيده المعنوي وحجم «انتصاراته» بعد النكسات الواضحة التي تعرض لها مؤخراً.
ـ المسألة الثانية التي أظهرت انقساماً واضحاً ومستمراً بين الدول الأعضاء هي بلا شك طبيعة التعامل مع روسيا. ففي حين أظهر الرئيس الأميركي وبعض قادة أوروبا البارزين نيّة حقيقية لإعادة الأمور إلى طبيعتها مع هذا البلد المهم جدا من الناحية الإستراتيجية الدولية، استمرت بعض الدول الصغيرة وأغلبها ممن كان يدور سابقا في الفلك السوفييتي بممارسة الضغوط من أجل الحفاظ على سياسة تتسم بالمواجهة وربما العداء لروسيا. بطبيعة الحال فشلت هذه الدول بفرض خيارها الدبلوماسي والتكتيكي المذكور، لا لشيء سوى لأنه يتعارض على ما يبدو مع توجهات الإدارة الأميركية الجديدة الراغبة بفتح صفحة جديدة في ملف العلاقات الدولية وأبرزها سيكون حتماً مع روسيا.
لقد بدا ذلك بوضوح من خلال بعض تفاصيل الزيارة الأوروبية الأخيرة التي عكست نتفا من توجهات الإدارة الأوبامية الجديدة. فقد اقتنعت هذه الإدارة على ما يبدو بأنه سيكون عليها إرسال الكثير من الإشارات الإيجابية وفي أكثر من اتجاه لإعادة بلورة صورة جديدة عن السياسة الخارجية الأميركية بعد كل ما تعرضت له من نكسات أبان عهد الرئيس الأسبق جورج بوش. وقد يكون مفيدا القول في هذا السياق بأن أوباما لا يطمح فقط لإجراء عمليات تجميل، لكنه يبحث بلا شك عن طرق جديدة لتسوية بعض الملفات الشائكة التي لا يمكن مقاربتها بالشكل المنطقي دون العودة إلى روسيا.
أحد تلك الملفات هو ما بات يعرف بالبرنامج النووي الإيراني، والذي سيصبح على ما يبدو مادة دسمة على طاولة المقايضة والمساومة الدبلوماسية بين روسيا والولايات المتحدة. إلى أي مدى سيذهب الروس في مساومة كهذه ؟ هذا بالتأكيد سؤال ستجيب عنه الأيام المقبلة وتفاصيل التعاون الذي سينشأ بين الأطراف المعنية دون استثناء.
استوقفني في خضم كل هذه الأحداث تحليل صدر في وسط أوروبا وعكس ما كنتُ أحاول أو أشير إليه عن وجود اختلافات، ولا أقول خلافات، في وجهات النظر بين الإدارة الأميركية الجديدة ومعظم الدول الأعضاء في الناتو بخصوص الأولويات الإستراتيجية التي يجب تبنّيها. هذا التحليل يشير بوضوح إلى ما وصفه بالفرصة الأخيرة الماثلة أمام الجميع لرفع مكانة حلف الناتو بالشكل المطلوب، وإلا «فان أوباما سيضع قطار الحلف على سكة ثانوية».
والمقصود بهذا الكلام هو تحقيق انتصار واقعي وحقيقي في ما يسمى الحرب ضد الإرهاب الإسلامي: في أفغانستان تحديدا، لكن أيضا في مدى قدرة الحلف على احتواء المخاطر الكثيرة التي يحفل بها ملف باكستان.
لا شك بأن كل هذه الأحداث تعكس حالة من السكيزوفرينيا التي يصعب فهمها. الحلف يؤكد قوته من خلال أعضاءه وتعود إليه فرنسا بكامل عتادها وأسلحتها، ثم تنضم إليه دول جديدة لتساهم في توسيع النفوذ العسكري باتجاه الشرق. هذا يثير حتما تساؤلات حول الهدف المعلن لتحقيق الانتصار في أفغانستان وفيما إذا كان يستحق كل هذا الحشد. أم أنه في الواقع.. حشد الضعف، لا القوة؟.
كاتب لبناني