صعود شعبية الحزب الشيوعي السوداني بعد عودة النظام الديمقراطي التعددي في منتصف ستينيات القرن المنصرم جلبت له مصيبة أكثر مما حققت له من نفع. فقد عمدت قيادات الأحزاب الأخرى (الوطن الاتحادي بزعامة إسماعيل الأزهري والأمة بزعامة الصادق المهدي وجبهة الميثاق الإسلامي بزعامة حسن الترابي) إلى عقد تواطؤ أدى إلى حظر الحزب قانونيا وطرد نوابه المنتخبين من البرلمان. لكن قيادة الحزب لم تستسلم. فقد ابتدر الرجل الثاني في الحزب آنذاك أحمد سليمان المحامي معركة دستورية أسفرت عن صدور قرار من المحكمة بإلغاء الحظر.
غير أن الحزب لم يخرج من هذه المحنة إلا ليدخل في محنة أدهى وأمر مع اقتراب نهاية عقد الستينيات. وهي محنة كانت تدور فصولها في الخفاء.. وتتهدد وحدة الحزب. فقد نشأت بوادر تمرد ضد الزعيم الأعلى للحزب عبد الخالق محجوب قاده أحمد سليمان. وقد قيل وقتها إن الخلاف بين الرجلين كان تنظيميا.. بمعنى أن أحمد سليمان كان معترضا إلى ما اعتبره مسلكا استبداديا من قبل الأمين العام للحزب.
لكن الأحزاب المتتالية أثبتت أن الشقاق كان أعمق ليس فقط من حيث «التكتيك» السياسي بل أيضا من ناحية الرؤية الإيديولوجية. ويبدو لنا الآن بعين الطائر أن ما جرى كان يمثل أولى إرهاصات تحول أحمد سليمان إيديولوجيا عن الفكر الماركسي الذي يشكل الدليل النظري للحزب.ومما أدى إلى خروج الشقاق إلى العلن وقوع انقلاب 25 مايو 1969 اليساري بقيادة العقيد جعفر نميري.
هنا، وللمرة الأولى في تاريخه منذ منتصف أربعينيات القرن الماضي انقسم الحزب الشيوعي السوداني على المستوى القيادي إلى فريقين متضادين تماما: فريق بقيادة عبد الخالق ومعه النقابي الكبير الشفيع أحمد الشيخ ـ وهو الفريق الذي أبدى تحفظا على السلطة الانقلابية الجديدة ـ وفريق آخر بزعامة أحمد سليمان ومعه فاروق أبو عيسى ومعاوية إبراهيم ـ وهو الفريق الذي منح تأييدا مطلقا للسلطة الانقلابية.
ونعلم ما حدث بعد ذلك. فقد استثمر جعفر نميري فرصة فشل انقلاب شيوعي في يوليو 1971 لإعدام عبد الخالق والشفيع ومعهما المحامي الجنوبي جوزيف قرنق. كان إعداما غير قانوني. فبالرغم من أن عبد الخالق وصحبه أيدوا الانقلاب بعد وقوعه إلا أنهم لم يكونوا على علم مسبق به. كان تدبيرا عسكريا صرفا تواطأ عليه ضباط ينتمون إلى الحزب الشيوعي دون أن يستأذنوا قيادة الحزب أو حتى يبلغوها مقدما. لكن نميري لم يشأ أن يدع الفرصة تضيع.
حتى ذلك الحين لم يكن الكثيرون يعلمون أن أحمد سليمان اتخذ طريقا صوب التصوف ليصير بعد ذلك ناشطا ومفكرا إسلاميا.