يظل الصراع بين الشرق والغرب تاريخياً غير منقطع، وحتى من روّجوا للعولمة بفتح الأجواء والخروج من عقدة القوميات إلى الأممية العامة، فإنها كانت مجرد أفكار لا تستقيم على دليل عند التطبيق، وبالتالي فليس ما يجري من تطور يمكن أن يفكّ صلة المكان والزمان بالتاريخ، وتنوع الشعوب وتقاليدها.
فإسرائيل كمكوّن اجتماعي استدعى إيجاده من العدم، هو الامتداد الروحي بين الديانتين اليهودية والمسيحية، وهي اليوم نسيج ثقافي متلاحم مع الغرب، وهذا الفصل هو إحدى الأزمات في الجدار المانع بين أن يكون العرب أمة ذات سيادة على أرضها، وبين أن تكون إسرائيل متصلة ومتلاحمة مع الغرب روحياً وتاريخياً، ولذلك تعطلت عجلة السلام إلا أن تكون كل الأرض الفلسطينية صهيونية.
هذا الاتجاه ارتبط بالصراعات الأزلية بين آسيا وأوروبا، ثم أميركا، حتى إن تجسيد الخلاف لم يأت لأن نصف آسيا انتهج الماركسية اللينينية - المادية، بل لأن الفاصل القاري الذي على منواله ولد التاريخ، ثم الصراع على النفوذ، وأولويات الحضارة التي نشأت في الشرق قبل الغرب هي عوامل تباعد لا تقارب حتى لو جاءت المصالح لتكسر الحواجز وتقيم الجسور..
مثلاً في الحرب الباردة كان الكيان السوفياتي الشيوعي رمز المعادلة المعادية للغرب، حتى إن غزو الفضاء الذي سبق به السوفيات الغرب كان زلزالاً أقوى من هدم سور برلين، وعندما فجرت الصين سلاحها النووي، اهتزت لندن وباريس وواشنطن، ولما وصل الاقتصاد الياباني إلى معادلة ألمانيا ثم قفز ثانياً بعد أمريكا، صوِّر اقتصادها بأنه جندي «الكاميكاز» ويحدث اليوم أن اليابان هي أكثر من يقف حائراً في حالة طوارئ ، واستعداد عسكري غير مسبوق لمجرد أن كوريا الشمالية دفعت إلى السماء قمراً صناعياً بواسطة صاروخ عابر للقارات وهي التي لم تخف اتجاهاتها أو سرّها العلمي..
الغرب وأميركا، وربما في اجتماع حلف الأطلسي الأخير ناقشا موضوع الخطر الكوري الشمالي على الأمن العالمي، في الوقت الذي كان احتواء شرور هذا البلد الصغير يمكن أن يتم لو أن المعاهدات والدعم المادي تم تنفيذهما بوساطة الصين وروسيا، لكن العناد الأميركي ولّد حافز الاستمرار بالمشروع الكوري الشمالي، ولعل حساسية اليابان، وهي التي يربطها بكوريا الشمالية حزام جغرافي واحد، صارت تبحث في سجلات التاريخ عن الثارات بين البلدين عندما كانت قوات اليابان في حالة غزو لدول جنوب شرق آسيا جعلتها تندفع باحتلال الكوريتين وهوما ظل مصدر إزعاج تاريخي وعسكري لا تزال آثاره قائمة حتى الآن..
الغرب لا يقل رفضاً لهذا التطور التقني، لكن المضحك أن إسرائيل التي أجرت أول تفجير لقنبلتها النووية في أرض جنوب أفريقيا زمن حكومة البيض، وأرسلت قمراً صناعياً، لا يتم الاحتجاج عليها، ونفس الأمر يجري مع إيران التي تهدد الأمن العالمي وقد دُمر مفاعل تموز في العراق بواسطة الطيران الإسرائيلي والرصد الأمريكي، وتمت نفس العملية مع سورية، وآخر الصيد في البراري العربية ضرب شاحنات عسكرية مهربة للسودان لتتجه إلى منظمات محسوبة على الإرهاب..
الموضوع لا يتعلق بحق قانوني، وإنما بفرضية أن الهيمنة يجب أن تبقى سياسة الأمر الواقع إلا أن شيطان تسرب التكنولوجيا ، ووصولها للضعفاء، هما القلق الاستراتيجي والنفسي..
