ثمة جزء من الكأس مازال يستحق أن ننظر إليه، هكذا يجب أن نتعامل مع الظروف التي تمر بها كل بلدان العالم ـ وليس بلدنا فقط ـ جراء الأزمة المالية العالمية التي عصفت بالدول العظمى واضطرتها إلى اتخاذ إجراءات قاسية لإعادة ضبط إيقاع عجلة الاقتصاد فيها والتغلب على انهيار البنوك والشركات الكبرى والمصانع التي أعلنت إفلاسها بعد أن عجزت عن كبح جماح الخسائر التي تعرضت لها، ومعالجة الأزمة وتداعياتها.
هذا الجزء الذي مازال مملوءاً من الكأس ويستحق أن ننظر إليه هو الرد الوحيد على أولئك الشامتين الذين يحاولون أن يوجهوا الأنظار إلى الجزء الفارغ من الكأس ويدعوننا لأن نشرب من البحر إذا ظمئنا، متناسين أو متجاهلين أن شعب هذه الأرض قد تحمّل أشد الصعاب ولم يولد وفي فمه ملعقة من ذهب.
وأن «آباءنا وأجدادنا عاشوا فترات صعبة من شح الموارد والغذاء وغيرها من مقومات الحياة الرغيدة، ورغم ذلك تركوا لنا إرثاً وتاريخاً نعتز به» كما قال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي أثناء لقائه مجموعة من رجال الأعمال المرافقين لسموه في زيارته لجمهورية روسيا الاتحادية الأسبوع الماضي.
«رُبَّ ضارة نافعة» هكذا تعلمنا الأيام دائماً، وهذا ما تؤكده تجارب الأمم والشعوب على مدى التاريخ، القريب منه والبعيد، وإذا كان هناك من حسدنا على النمو الذي شهدته دولتنا منذ قيامها، والصعود الذي تكرَّس خلال السنوات العشر الأخيرة على وجه الخصوص.
وانتظر الكبوة التي ظل يبشر بها كي ينضح بما فيه، فإننا نقول له «إن الأزمات تلد الفرص وتولد عزيمة التحدي لدى الإنسان لينهض من جديد ويخرج أقوى من السابق» مثلما أكد صاحب السمو نائب رئيس الدولة لأن «الأزمات تصنع الرجال القادرين على التحدي والتعامل معها بحكمة، وابتكار الأفكار الخلاقة للتغيير نحو الأحسن».
إن من يقرأ ما يكتب هذه الأيام عن الإمارات بشكل عام ـ وعن دبي بشكل خاص ـ بعد الأزمة المالية العالمية، يستطيع أن يشم رائحة الشماتة التي تفوح من هذه المقالات والتحليلات التي تشكك في متانة قوة اقتصادنا وتتهمه بالهشاشة، يستوي في هذا بعض الكتاب العرب والأجانب، فالشكوى في نظرهم أصبحت عاملاً مشتركاً بين الغني والفقير لدينا، والكآبة والشعور بالإحباط ينتشران بيننا، والشائعات سيدة الموقف، والقلق ينتاب الجميع، وتسريحاتٌ هنا وإقفالٌ هناك، والسيارات المرهونة للبنوك يتركها المغادرون ممن تم إيقافهم عن العمل أو أنهوا أعمالهم أو طردوا منها في المطار، ونصف حجوزات سفر الوافدين في الصيف «بلا عودة».
هذه بعض الفقرات والجمل التي تزخر بها بعض المقالات والأخبار التي تنشرها بعض الصحف وتتداولها المواقع الالكترونية، لتتوالى تعليقات القراء وزوار هذه المواقع عليها وتتنوع بين شامتٍ لا يخفي شماتته، وحاقدِ يجدها فرصة للتشفي، ومبشرٍ بما أسوأ مما يُقال ويُكتَب.
وإن كان الأمر لا يخلو من محب مدافع يرى في كل هذا مبالغة وبهتاناً، واستغلالاً لما يحدث في العالم الذي نحن لسنا استثناءً مما يحدث له، خاصة في ضوء الازدهار الاقتصادي الذي كانت تعيشه دولتنا قبل الأزمة التي تركت آثارها على كل شيء، وإن كان هذا التأثير «بالنسبة للإمارات لا يقاس بأي شكل من الأشكال على بقية دول العالم»، كما جاء في حديث صاحب السمو نائب رئيس الدولة.
نعود فنكرر «رُبَّ ضارة نافعة» فمهما كان حجم الضرر الذي تعرضنا له جرّاء هذه الأزمة إلا أن حجم الفائدة والدروس والعبر التي أخذناها منها أكبر، وأول هذه الدروس هو أننا عرفنا أعداءنا من أصدقائنا، وفرزنا الشامتين من الغيورين على مصلحتنا، وتعلمنا كيف نتعامل مع مثل هذه الأزمات بحكمة كي «نحافظ على اتحاد دولتنا قوياً وشامخاً عزيزاً بقيادته وشعبه وأهله ومقوماته البشرية والاقتصادية والتراثية وغيرها...» فالأقوياء وحدهم الذين يقومون من كبواتهم أكثر عزيمة وتصميماً على التقدم والسير إلى الأمام، أما الضعفاء فهم الذين ينكفئون ويعودون إلى الوراء، ويوارون آمالهم وطموحاتهم الثرى عند أول كبوة، ولا يستطيعون القيام من كبواتهم.
«رُبَّ ضارة نافعة» لا نقولها لنواسي أنفسنا ونرتقي فوق جراحاتنا، إن كان ثمة جراحات بالمعنى العاطفي للكلمة، وإنما نقولها لنجري عملية مراجعة شاملة لسياساتنا الاقتصادية والتنموية والسكانية، فلعلها تكون لحظة سانحة لإعادة النظر في الكثير من الأمور التي كانت موضع جدل بيننا، كي نتلافى أخطاء المرحلة الماضية لننطلق بقوة نحو مرحلة جديدة بأخطاء أقل أو دون أخطاء إذا استطعنا؛ مرحلة نصحح فيها ما نعتقد أنه لم يعد يتفق مع الوضع الذي أصبحت تفرضه علينا ظروف الأزمة التي جعلت الدول العظمى ذات الاقتصادات الأقوى تتخذ أقسى القرارات كي تتجاوزها بأقل قدر من الخسائر.
لهذا نقول إن توجهاً اقتصادياً جديداً يجعل المواطن هو محوره وهدفه الأول أصبح ضرورياً ومطلوباً بشكل ملح في هذه المرحلة والمراحل المقبلة، وربما هي فرصة لإعادة التوازن إلى تركيبتنا السكانية وإصلاح الخلل الذي اعتراها وأعيتنا الحيل ونحن نبحث عن حلول ناجعة له.
وهي أيضاً مناسبة للرد على كل الشامتين والمشككين في مقدرتنا على التكيف مع الظروف وإعادة ترتيب أوراقنا، ولعل هذا ما عناه صاحب السمو نائب رئيس الدولة عندما قال إن «الحكومة الاتحادية باشرت بوضع الإمكانات اللازمة لعدد من المؤسسات للاستثمار في قطاعات محلية جديدة وذات جدوى اقتصادية تعود بالخير كله على شعبنا واقتصادنا الوطني».
«رُبَّ ضارة نافعة».. نقولها ونحن واثقون من أننا خارجون بإذن الله من هذه الأزمة أكثر قوة وحكمة وتماسكاً وعزماً وتصميماً.
كاتب إماراتي