التسونامي المالي الذي اجتاح أرجاء العالم، شوه من ملامح الخارطة الاقتصادية العالمية وكسر سلم الأولويات على مستوى الدول كما الأفراد. كما اوجد حالة من التشاؤم والترقب تجاه ما تخبئه الأيام القادمة في جعبتها من نتائج وتداعيات سلبية سوف تطال الجميع وتغير من نمط الحياة وتطيح بالعديد من المفاهيم السائدة.
إن هذه الحالة المستجدة تدفعنا إلى التساؤل وماذا بعد؟ وفيما يعكف المراقبون الاقتصاديون حاليا على استشراف ما أمكنهم من نتائج أولية اقله حتى النصف الأول من هذا العام، تبدو الصورة حتى الساعة ضبابية وقاتمة بشكل عام لاسيما في الدول التي ولدت الأزمة داخل أسواقها، ولا شك في أن المنطقة العربية بشكل عام كان لها حصة لا بأس بها من تداعيات هذه الأزمة.
ولكن بين الدول التي كانت وراء الأزمة بسبب سياساتها الفوضوية حسب رأي البعض وبين الدول التي طالتها الأزمة، ثمة فارق كبير وخاصة الدول التي لديها القدرة على الصمود بوجه الأزمات الاقتصادية التي عرفها العالم حتى اليوم، وهنا لا بد من اعتماد نموذج دولة الإمارات كمعيار كونها تصدرت بشهادة كبرى مؤسسات التصنيف الاقتصادي العالمية، قائمة الدول التي استطاعت بإجراءاتها الحد من النتائج السلبية للازمة المالية على مجتمعها واقتصادها إلى أقصى حد ممكن، وليس غريبا القول إن هناك حلولا عدة قدمتها الإمارات في خضم الأزمة لم تستطع دول أكثر خبرة وعراقة في ممارسة النشاط الاقتصادي تقديمها، وهي جاءت نتيجة متابعة حثيثة للقيادة الإماراتية للأحداث الاقتصادية التي أفرزتها الأزمة المذكورة.
وبالتأكيد فان توفير الآليات المناسبة للتطبيق السريع والحاسم لهذه الحلول كان له الأثر الأبرز في التصدي لارتدادات زلزال الأزمة الذي انطلقت شرارته الأولى في الولايات المتحدة الأميركية. فقد اتخذت سلسلة من الإجراءات الاقتصادية والمالية والنقدية لحماية الاقتصاد الوطني وقلصت من درجة تأثره بتلك الارتدادات إلى الحدود الدنيا. ومن أبرز تلك الإجراءات ضمان الودائع والقروض في النظام المصرفي محرك الاقتصاد الأول ووضع تسهيلات مالية فاقت الـ 120 مليار درهم في تصرف البنوك الوطنية لضمان تمويل المشاريع الحيوية بما يكفل استمرار الدورة الاقتصادية فيها.
إلا أن الغريب هو تصرف بعض وسائل الإعلام وخصوصا الخارجي منها والإقليمي في تصوير الاقتصاد الإماراتي في الوقت الراهن وكأنه تعرض لصدمة اكبر من طاقته متغافلا بقصد أو عن غير قصد، عن أن الإجراءات التي اتخذت ساهمت في إبراز الإمارات كإحدى أكثر الوجهات العالمية استقرارا، واستعاض عن ذلك بتضخيم حجم التداعيات مستندا في العديد من أخباره على شائعة من هنا ومقولة من هناك.
ولعل المثال الأوضح على هذا التصرف لبعض الإعلام يكمن في تعاطيه الحالي مع إمارة دبي التي شكلت نموذجا تنمويا فريدا يضرب به المثل على الصعيد العالمي من حيث سرعة انطلاقة مشروعها النهضوي والاهم اندماجها في زمن قياسي بالجسم الاقتصادي العالمي.
ويبدو أن مصدر هذه المشكلة لدى قسم من أصحاب هذا الإعلام خلال تعاملهم مع دبي في ظل الأزمة، إنما يعود إلى قصور واضح في فهم دور دبي لما أنجزته في العقد الماضي في المجال الاقتصادي والعمراني والثقافي فكأنما هم انتظروا سقوط المشروع التنموي الحضاري الذي انطلق في دبي منذ سنوات وضخموا حجم التباطؤ الذي أصاب بعض القطاعات الاقتصادية في الإمارة، متغافلين عن عمد أو بدونه انهيار الاقتصاد العالمي نتيجة الأزمة التي لم تترك أي اقتصاد خارج التحديات.
وقسم آخر من هذا الإعلام لا يكتفي بتضخيم التباطؤ الاقتصادي المذكور بل يضع نفسه في دور «المعتدي» على اقتصاد الإمارة وذلك عند نشره إشاعات مغرضة ما تلبث أن يظهر زيفها بمواجهة الحقائق التي تقدمها دبي من جهة والعديد من المؤسسات الدولية المتخصصة بهذا المجال من جهة أخرى.
حيال هذه المواقف المستهجنة يتساءل المرء هل هذه حرية صحافة أم ماذا؟. خاصة أن غالبية الدراسات العلمية التي تصدر عن مؤسسات عالمية متخصصة في شؤون التنمية والاقتصاد، تظهر أن دبي وبعكس ما يظن هؤلاء، من الأماكن القليلة التي استطاعت احتواء التداعيات الكارثية للازمة بنجاح وفاعلية .
والتي لم يفلح بعد كثير من الدول المتقدمة القيام بمثلها، كذلك فان معظم الذين نلتقيهم من رجال أعمال مطلعين على أحوال الاقتصاديات المتقدمة يسارعون إلى التعبير عن ثقتهم بصلابة اقتصاد الإمارة وتفاؤلهم بسرعة تخطيها لتبعات الأزمة. وثقتهم تلك نابعة من أن اقتصاد الإمارة سيستعيد زخمه حالما تبدأ الخطوات التصحيحية التي اتخذتها السلطات المحلية بإعطاء مفعولها على أرض الواقع.
كل هذه هي أحاديث في الاقتصاد وعندما يكون الحديث في الاقتصاد يجب دائما الارتكاز على حقائق مثبتة وصادرة عن مؤسسات رسمية ومراكز متخصصة وإننا ننتظر أن تظهر البيانات الاقتصادية صحتها في المستقبل القريب عندها فقط يمكن بناء الاستنتاجات لا أن تبنى على إشاعات لا يعرف مصدرها. هذا إذا أراد بعض هذا الإعلام إثبات نضوجه المهني فعلا لا قولا واستحقاقه لحرية التعبير التي منحت له.
فالحرية هي مسؤولية من قبل أي شيء آخر لا فوضوية أو عبثية الخيارات. ولكن ماذا نقصد عندما ندعو إلى فهم أهمية دبي، علينا أن ندرك أهمية ليس فقط عدم الإضرار بسمعة دبي عبر وسائل الإعلام غير المسئولة بل ضرورة المساهمة بإعادة تزخيم اقتصادها ونموه، ذلك لان أهمية دبي تتخطى دورها الاقتصادي الإقليمي. صحيح أنها نجحت في أن تتحول إلى مركز مالي وخدماتي إقليمي لديه امتدادات عالمية، إلا ان هناك انجازات تتخطى ذلك بكثير. إن دراسة عميقة لدور دبي في إطاره العربي، يعطي فهما أعمق لحقيقة ما قدمته الإمارة لمحيطها العربي والإقليمي.
إن النهضة الاقتصادية والحضارية التي حققتها الإمارة ساهمت في استنهاض الحواس التنموية عبر تقديم نموذج المدينة العصرية النابضة بالاعمال والزاخرة بالإنتاج. فدبي هي مدينة عربية حاكت أكثر المدن تقدما من حيث فورة الأعمال التي شهدتها والنهضة العمرانية المذهلة التي حققتها وسرعة اندماجها بالعالمية على أكثر من صعيد مع الحفاظ على طابعها الخاص، لقد أعاد هذا النموذج في كثير من رجال الأعمال العرب والجيل الجديد منهم على وجه الخصوص، الثقة بإمكانية نجاح مشاريع التنمية والتحاق الدول العربية بالدول المتقدمة والتفوق في بعض المجالات. فقد بتنا نتحدث عن أطول برج في العالم وعن اكبر شركات الطيران واكبر مطار واكبر مراكز الخدمات المالية والتجارية وأفضل بيئة استثمارية وأرقى مستويات الحياة العصرية في العالم.
هناك حكمة تنطبق على القيادات العالمية التي تواجه تداعيات الأزمة الاقتصادية حاليا تقول: «من لا يعمل لا يخطئ» وعليه فان هذه القيادات التي تعمل لحلحلة عقد الأزمة بحاجة اليوم إلى هدوء لتستنبط الحلول المناسبة للأزمة التي تهدد مستقبلنا، لذا فمن مصلحتنا في الإمارات وفي المحيط العربي أن نمنح هذه القيادات مساحة الهدوء هذه بعيدا عن أي تشويش إعلامي ونعتمد مبدأ التجرد. هذه هي الوقفة المسئولة التي ننتظرها من الإعلام عموما.
النائب الأول للرئيس ـ مطارات دبي - عضو المجلس الوطني