يبدو أن المسألة الأفغانية التي كانت موضوعاً لمداولات دولية واسعة في مؤتمر «لاهاي بشأن أفغانستان» برعاية الأمم المتحدة بمشاركة 70 دولة، وصولا لما أسماه الرئيس الأميركي باراك أوباما «استراتيجية الخروج من الأزمة الأفغانية»، قد أصبحت إحدى أهم أولويتين للإدارة الأميركية إلى جانب الأزمة المالية العالمية التي تشكل الهم الرئيسي، التي كانت موضوعا رئيسيا لمناقشات دولية واسعة في مؤتمر «لندن» بمشاركة 20 دولة من أكبر الاقتصادات العالمية وصولا لما أسماه الجميع استراتيجية «الخروج من الأزمة الاقتصادية».

وبينما تبدو قوات الحلف الأطلسي متخبطة بين الجبال الأفغانية، وغارقة في مستنقع أفغانستان وتبحث عن طوق سياسي للنجاة، ولو باللجوء لإيران لمساعدتها على الخروج بدون هزيمة بعد أن أيقنت استحالة النصر العسكري، اجتمع في «ستراسبورج» الفرنسية قادة دول حلف «الناتو» العجوز في مناسبة مرور 60 عاما على إنشائه في ظل انقسام في الرأي بين أوروبا وأميركا حول كيفية الخروج من أفغانستان، بينما يواصل سعيه لتنفيذ خططه بالتمدد نحو الشرق ليس فقط في شرق أوروبا، وإنما أيضا باتجاه البحر المتوسط والبحر الأحمر والخليج العربي.تحت عناوين مختلفة مثل «مكافحة الإرهاب»، و«القرصنة»، و«تهريب السلاح» لـ «حزب الله» في لبنان، لـ «حماس» في غزة.

قوات الناتو منذ غزو أفغانستان وعلى مدى نحو سبع سنوات من الإطاحة بحكومة طالبان، لم تواجه فقط عجزا عسكريا عن تحقيق النصر أو جلب السلام، بل إن الخوف الآن من شبح هزيمة هذا الحلف على جبال أفغانستان الذي يواجهها الآن، يثبت دائما أن القوة العسكرية مهما بلغت قد تصنع دمارا أو أنهارا من الدماء، لكنها أبدا لا تصنع السلام، بينما الحلول السياسية العادلة والمتوازنة للمشاكل والأزمات القائمة على الحوار المتكافئ بين الأطراف بغير إقصاء أو استعلاء هي وحدها التي تصنع السلام الذي بدوره يصنع الأمن الدائم.

وبينما جدد الرئيس الباكستاني آصف زردارى تعهده لأميركا بمواصلة العمل معها في «الحرب على الإرهاب «أى ضد» طالبان أفغانستان»، وفيما صعد الجيش الباكستاني من عملياته العسكرية ضد «طالبان باكستان» في منطقة القبائل رغم المعارضة الشعبية، فلقد تمددت حركة طالبان إلى داخل باكستان أيضا !

شكل الرئيس الأفغاني حامد كرازاي لجنة «الحوار والمصالحة الوطنية» بمشاركة طالبان فأكدت أن لا مستقبل لحل عسكري في أفغانستان التي دحرت من قبل كل الغزاة من البريطانيين إلى الروس، ولا قدرة للإفلات من ذلك المصير بالنسبة للناتو أو للأميركان، وأن الحل السياسي الداخلي بعيدا عن التدخل الخارجي هو الكفيل بتحقيق المصالحة الوطنية وسيادة الأمن والسلام. داعيا إلى مؤتمر دولي لسلام أفغانستان تشارك فيه جميع أطراف الصراع لا يستبعد طالبان، يمهد لانسحاب القوات الأطلسية التي تقاتل حركة «طالبان» منذ غزوها لأفغانستان عام 2001 دون جدوى.

ويبدو أن إدارة «أوباما» الأميركية اقتنعت أخيرا بالرؤية الأفغانية السياسية على العكس من رؤية «بوش» العسكرية في مؤتمر «الناتو» في بوخارست، لزيادة عدد القوات ومواصلة الحرب الدموية، ليس في أفغانستان فقط بل في باكستان أيضا رغم الخسائر العالية.. ولهذا تراجعت خطة أوباما من زيادة القوات إلى زيادة المحادثات.. وهو ما يبدو أكثر جدوى للخروج من أفغانستان.

mamdoh77t@hotmail.com